جسركم إلى الخبر

دعا هشام الصابري، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى استكمال الإطار التشريعي لمكافحة الإثراء غير المشروع، واعتماد قانون خاص للوقاية من تضارب المصالح وتدبيره وزجر مخالفاته، إلى جانب مراجعة وتحديث المنظومة القانونية للتصريح الإجباري بالممتلكات، مطالبا بوضع أجندة تشريعية واضحة ومحددة زمنيا لتنفيذ هذه الإصلاحات خلال السنة الأولى من الولاية الحكومية.

وشدد الصابري، خلال مداخلة فريق الأصالة والمعاصرة في الجلسة العامة المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي، اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، على ضرورة تعزيز النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرا أن بناء الدولة الاجتماعية لا يرتبط فقط بحجم الموارد المالية المخصصة للسياسات الاجتماعية، بل أيضا بقدرة المؤسسات على حماية المال العام وضمان نجاعة الإنفاق العمومي.

وقال الصابري: “لا يمكن بناء دولة اجتماعية متضامنة دون حماية المال العام، ولا يمكن ترسيخ الثقة في المؤسسات دون ربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة”.

وفي هذا السياق، حدد رئيس فريق “البام” ثلاثة إصلاحات تشريعية أساسية، أولها استكمال الإطار القانوني لمكافحة الإثراء غير المشروع، من خلال مقتضيات جنائية دقيقة تحدد الأفعال المجرمة وشروط قيام المسؤولية والعقوبات، مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية وقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.

أما الإصلاح الثاني، فيتعلق باعتماد قانون خاص بتضارب المصالح، يحدد الحالات المرتبطة به، وينظم واجبات التصريح والإفصاح، وحالات الامتناع عن المشاركة في اتخاذ القرار، وآليات المراقبة والجزاءات، بما يحمي القرار العمومي من تأثير المصالح الخاصة.

ويهم الإصلاح الثالث مراجعة المنظومة القانونية للتصريح الإجباري بالممتلكات، والانتقال بها من مجرد الالتزام الشكلي إلى نظام أكثر فعالية في المراقبة والتحقق، من خلال تطوير آليات التنسيق بين المؤسسات المختصة والاستفادة من الرقمنة، مع احترام الحقوق الأساسية وحماية المعطيات الشخصية.

“الأغلبية ليست كومبارس للحكومة”

وأكد الصابري أن هذه الإصلاحات ينبغي أن تشكل منظومة متكاملة للنزاهة والشفافية والمساءلة، داعيا إلى تعزيز فعالية أجهزة الرقابة والتقييم وضمان التنسيق بينها، مع احترام استقلاليتها واختصاصاتها الدستورية والقانونية.

وفي ما يتعلق بدور المؤسسة التشريعية، شدد الصابري على أن مساندة الحكومة لا تعني التخلي عن استقلالية البرلمان، قائلا إن “الأغلبية البرلمانية ليست كومبارس للحكومة”.

وأوضح أن الأغلبية البرلمانية تعبر عن الإرادة الشعبية وتستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع، وتمارس اختصاصاتها وفق الدستور، معتبرا أن الانتماء إلى الأغلبية لا ينبغي أن يمنع الفرق البرلمانية من مناقشة العمل الحكومي ومساءلته وتقييم سياساته.

وأضاف أن فريقه يريد أغلبية تساند الحكومة دون أن تذوب فيها، وتدعم الإصلاحات مع مناقشة تفاصيلها، وتتحمل مسؤولية الاستقرار السياسي، بالتوازي مع ممارسة اختصاصاتها في التشريع والمراقبة والتقييم.

واعتبر أن العلاقة بين الحكومة وأغلبيتها البرلمانية ينبغي أن تقوم على مسافة مؤسساتية سليمة تحفظ استقلالية البرلمان دون أن تنفي التضامن السياسي حول البرنامج الحكومي، مؤكدا أن قوة الحكومة لا تتحقق بإضعاف المؤسسة التشريعية، بل بوجود برلمان قوي يمنح العمل الحكومي عمقا ديمقراطيا ومصداقية مؤسساتية.

وفي الشق المتعلق بالمحاسبة، دعا الصابري إلى تجاوز حصرها في التحقق من قانونية صرف الاعتمادات المالية، لتشمل أيضا تقييم النتائج المحققة ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.

فعالية السياسات العمومية

وقال إن السياسة العمومية قد تكون سليمة من الناحية القانونية، لكنها غير فعالة اقتصاديا أو اجتماعيا، كما قد تصرف الاعتمادات وفق المساطر المعمول بها دون تحقيق النتائج المرجوة منها، مشددا على ضرورة الانتقال إلى تقييم يسائل ما تحقق من الإنفاق العمومي، والفئات التي استفادت منه، ومدى مساهمته في تقليص الفوارق وتحسين الخدمات وخلق فرص الشغل.

الديمقراطية الاجتماعية والتعاقد المجتمعي

وعلى مستوى التصور السياسي للمرحلة الحكومية الجديدة، قدم الصابري الديمقراطية الاجتماعية باعتبارها المرجعية التي ينبغي أن تؤطر العلاقة بين الدولة والمجتمع، موضحا أن العمل والإنتاج والعدالة الاجتماعية تشكل مرتكزات أساسية لهذا التصور.

وأكد أن الثروة ينبغي ألا تتحول إلى وسيلة لاحتكار الفرص أو الاستحواذ على المصالح المشتركة، داعيا إلى التوفيق بين حرية المبادرة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية، وبين تشجيع الاستثمار وحماية حقوق الأجراء، بما يضمن خلق الثروة وتوزيع فرص الاستفادة منها بشكل أكثر إنصافا.

كما شدد على أن السوق لا ينبغي أن ينفرد بتحديد أولويات المجتمع، معتبرا أن الدولة مطالبة بتوجيه الاختيارات الاقتصادية الكبرى لخدمة المصلحة العامة، وضمان مساهمة الاستثمار المنتج والجباية العادلة والإنفاق العمومي الفعال في تمويل التعليم والصحة والسكن والبنيات الأساسية وحماية البيئة.

وفي حديثه عن الدولة الاجتماعية، قال الصابري إن نجاحها لا يقاس فقط بعدد المستفيدين من برامج الدعم، بل أيضا بعدد المواطنين الذين تمكنوا من تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاندماج في النشاط الإنتاجي، داعيا إلى الانتقال من دولة تحمي المواطنين من الهشاشة إلى دولة تمنحهم القدرة على تجاوزها.

وشدد الصابري على أن المرحلة الحكومية 2026-2031 تقتضي تحويل الشرعية الانتخابية إلى نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية ملموسة، معتبرا أن الرهان يتمثل في بناء ديمقراطية يكون لصوت المواطن فيها أثر، وللبرنامج السياسي معنى، وللمسؤولية الحكومية حساب، وللبرلمان دور، وللعدالة الاجتماعية نتائج.

شاركها.

التعليقات مغلقة.