سفيركم – الغالي محمد الرشاشدة (من زوريخ)
كشفت وثائق قضائية صادرة عن النيابة العامة في جنيف عن تفاصيل قضية يشتبه في ارتباطها بشبكة للاتجار بالمخدرات وغسل الأموال، امتدت أنشطتها بين سويسرا وفرنسا، فيما ظهر المغرب ضمن الوجهات التي يعتقد أن جزءا من العائدات المالية المشبوهة استثمر فيها، خصوصا في القطاع العقاري.
وتسلط المعطيات، التي كشف عنها تحقيق للتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية “RTS”، الضوء على صالونات حلاقة رجالية في مدينتي جنيف ولوزان، يشتبه في استخدامها لإضفاء طابع قانوني على أموال متأتية من تجارة المخدرات، إلى جانب معاملات شملت ساعات فاخرة واستثمارات عقارية بالمغرب.
وتعود إحدى المحطات الأساسية في القضية إلى فبراير 2021، عندما أوقفت السلطات السويسرية أحد المشتبه فيهم عند الحدود قرب جنيف، أثناء قيادته سيارة مستأجرة، وعثرت بداخلها على مبالغ نقدية كبيرة بلغت 156 ألفا و680 يورو، إضافة إلى 250 ألفا و260 فرنكا سويسريا.
وبحسب ما أوردته وسائل الإعلام السويسرية استنادا إلى ملف الاتهام، خلص المحققون إلى وجود شبهات بشأن مصدر جزء من تلك الأموال، ما قاد إلى تحقيقات أوسع حول شبكة يشتبه في نشاطها في تهريب المخدرات وترويجها، وإعادة إدخال عائداتها إلى الدورة الاقتصادية عبر أنشطة تجارية مختلفة.
وتشير الوثائق القضائية إلى أن القضية تتعلق بكميات تتجاوز 30 كيلوغراما من الكوكايين، ونحو طن من مشتقات القنب الهندي، يشتبه في ارتباطها بأنشطة الشبكة بين سويسرا وفرنسا.
صالونات حلاقة لإضفاء الشرعية على الأموال
وتتمحور إحدى أبرز فرضيات التحقيق حول استغلال شركات تدير صالونات حلاقة رجالية في جنيف ولوزان، باعتبارها واجهات تجارية يمكن من خلالها تبرير تدفقات مالية وإيداع مبالغ في الحسابات البنكية السويسرية.
ووفق ما تنسبه النيابة العامة إلى المتهمين، فإن إحدى الشركات المرتبطة بصالون للحلاقة في لوزان أنشئت أساسا بهدف غسل أموال يشتبه في مصدرها غير المشروع، من خلال تقديمها على أنها مداخيل ناتجة عن نشاط تجاري عادي.
كما رصد التحقيق روابط بين عدد من الصالونات التي حملت الاسم التجاري نفسه، قبل أن تتوقف أنشطتها أو تدخل شركاتها في إجراءات إفلاس وتصفية.
ولا تعني هذه المعطيات أن نشاط صالونات الحلاقة في سويسرا يرتبط عموما بمثل هذه الممارسات، إذ تتعلق الشبهات بمؤسسات وأشخاص محددين ورد ذكرهم في الملف القضائي.
عقارات بالمغرب ضمن مسارات الأموال المشبوهة
ويبرز المغرب في القضية من خلال معطيات تتحدث عن استثمار أحد المتهمين مئات الآلاف من الفرنكات السويسرية واليورو في ممتلكات عقارية داخل المملكة.
وتشير التحقيقات الصحفية إلى أن أحد الأشخاص المتابعين في الملف كانت له صلات مهنية بالمغرب، حيث سبق أن اشتغل في إدارة فندق راق، بالتزامن مع علاقات وأنشطة تجارية في سويسرا.
وتعتبر النيابة العامة السويسرية أن شراء العقارات قد يكون من بين الوسائل المستخدمة لإعادة توظيف عائدات يشتبه في ارتباطها بالاتجار بالمخدرات، إلى جانب شراء وإعادة بيع السلع مرتفعة القيمة.
غير أن المعلومات المنشورة لا تحدد المدن المغربية التي توجد بها العقارات المعنية، ولا تكشف هويات مالكيها المسجلين أو وضعيتها القانونية الحالية. كما لا تتضمن، في المعطيات المتاحة، إعلانا عن إجراءات قضائية اتخذتها السلطات المغربية بشأن هذه الممتلكات.
ويظل الارتباط المحتمل بين الأموال المشبوهة والاستثمارات العقارية فرضية واردة في ملف الاتهام، وليس واقعة ثبتت بموجب حكم قضائي نهائي.
ساعات فاخرة ومعاملات بمئات آلاف الفرنكات
ولم تقتصر المعاملات التي أثارت انتباه المحققين على صالونات الحلاقة والعقارات، بل شملت كذلك سوق الساعات الفاخرة.
وتفيد المعطيات القضائية بأن المتهمين يشتبه في إجرائهم عمليات شراء وبيع لسلع فاخرة بقيمة تجاوزت 800 ألف فرنك سويسري، من بينها ساعات من علامتي “أوديمار بيغيه” و”باتيك فيليب”.
وبحسب فرضية الاتهام، استخدمت هذه المعاملات لتحويل الأموال بين سلع مرتفعة القيمة وإعادة بيعها، بما قد يسمح بإخفاء مصدر الأموال أو تبرير امتلاك مبالغ كبيرة.
القضاء يرفض الاتفاق ويعيد الملف إلى المسطرة العادية
وشهدت القضية تطورا قضائيا خلال يونيو 2026، عندما مثل أربعة متهمين أمام المحكمة الجنائية في جنيف، في إطار مسطرة مبسطة تقوم على اتفاق بشأن الوقائع والتكييف القانوني والعقوبات المقترحة بين النيابة العامة والأطراف المعنية.
غير أن المحكمة رفضت المصادقة على الاتفاق، معتبرة أن العقوبات المقترحة لا تتناسب مع خطورة الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، وأعادت الملف إلى الإجراءات القضائية العادية.
وبحسب التحقيق التلفزيوني المنشور يوم أمس الأربعاء 21 أكتوبر ، يرتقب أن تعقد جلسة جديدة قبل نهاية السنة، في وقت يواجه فيه المعنيون اتهامات قد تترتب عنها عقوبات سالبة للحرية لعدة سنوات في حال إدانتهم.
ويؤكد التقرير أن المتهمين ينازعون في الاتهامات الموجهة إليهم، وأنهم يظلون متمتعين بقرينة البراءة إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة إشكالية تتبع الأموال المتأتية من الأنشطة الإجرامية المحتملة عندما تنتقل بين بلدان وقطاعات اقتصادية مختلفة، خصوصا حين تشمل المعاملات شركات تجارية وسلعا فاخرة واستثمارات عقارية عابرة للحدود.


