جسركم إلى الخبر

عاينت “سفيركم”، منذ أمس إلى حدود تاريخ كتابة هذه الأسطر، تعطل بوابة الصفقات العمومية، التي تمر عبرها مختلف مراحل تدبير الطلبيات العمومية، من الإعلان عن الصفقات وإيداع العروض إلى فتح الأظرفة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مصير آجال المشاركة وحقوق المقاولات المتنافسة. وفي هذا السياق، حذر لحسن أموليد، الباحث في القانون العام، من التداعيات القانونية والمالية لتعطل بوابة الصفقات العمومية، معتبرا أن هذا الانقطاع لا يشكل مجرد خلل تقني، بل يهدد حقوق المقاولات والمتنافسين في الولوج إلى الصفقات العمومية، وينذر بنشوء منازعات قضائية قد تكلف الدولة تعويضات من المال العام.

وأوضح أموليد، في تصريح لـ”سفيركم”، أن تعطل البوابة يطرح إشكالا قانونيا ومؤسساتيا بالنظر إلى الدور المركزي الذي تؤديه في تدبير الصفقات العمومية، إذ تمر عبرها إجراءات إشهار المنافسات وتبادل الوثائق وإيداع العروض، فضلا عن تتبع المساطر وإبرام الصفقات.

وأشار الباحث في مجال الصفقات العمومية إلى أن هذا الاعتماد يشمل مختلف عمليات الشراء العمومي، بما فيها طلبات السند التي تلجأ إليها الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية لتلبية حاجياتها المستعجلة، محذرا من أن توقف المنصة قد يعطل هذه العمليات ويؤثر على استمرارية المرفق العام.

وسجل المتحدث وجود فراغ قانوني في التعامل مع آثار هذه الأعطال، خصوصا عندما يتزامن توقف البوابة مع اقتراب انتهاء آجال إيداع العروض، أو يحول دون اطلاع المقاولات على إعلانات الصفقات ووثائقها، متسائلا عن الأساس القانوني الذي يمكن الاستناد إليه لتمديد الآجال أو معالجة وضعية المتنافسين الذين تعذر عليهم إيداع ملفاتهم بسبب الانقطاع.

وأوضح أموليد أن الإطار المنظم للصفقات العمومية، ولا سيما المرسوم الصادر في 8 مارس 2023 والقرار الوزاري المتعلق بتجريد المساطر والوثائق والمستندات المرتبطة بالصفقات العمومية من الصفة المادية، لا يقدم، أجوبة كافية عن مختلف الحالات التي يمكن أن تنشأ عن توقف البوابة.

وأضاف أن المادة 16 من القرار الوزاري تتناول حالة تعذر إجراء فتح الأظرفة في الموعد المحدد، غير أنها لا تحسم مختلف الإشكالات المرتبطة بتوقف المنصة قبل انتهاء أجل إيداع العروض أو خلال مراحل أخرى من مسطرة الصفقة.

وأكد الباحث أن الأثر القانوني للانقطاع يختلف حسب توقيته ومدته والمرحلة التي بلغتها المسطرة، مشددا على أن توقف البوابة لا يؤدي بصورة آلية إلى بطلان الصفقة، بل يستدعي تقييما قانونيا لطبيعة الخلل وتداعياته على حقوق المتنافسين وسلامة الإجراءات.

المقاولات الصغرى مهددة بفقدان فرص المشاركة

وحذر أموليد من أن المقاولات الصغرى والمقاولين الذاتيين قد يكونون من أكثر المتضررين من تعطل البوابة، بسبب محدودية إمكانياتهم المالية والتقنية، إذ يمكن أن يفقدوا فرص المشاركة في صفقات عمومية رغم إعداد ملفاتهم، إذا تعذر عليهم إيداعها قبل انقضاء الآجال القانونية.

وأوضح أن الضرر لا يقتصر على ضياع فرص التنافس، بل قد يمتد إلى تكاليف إعداد الملفات وتجميد السيولة المالية المرتبطة بالضمانات، وهو ما قد يؤثر على قدرة هذه المقاولات على تدبير التزاماتها الأخرى.

كما نبه إلى أن تعطل المنصة قد يمس بمبدأ المساواة بين المتنافسين، إذا تمكن بعضهم من الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالصفقات، بينما حرم آخرون من الاطلاع عليها أو المشاركة فيها بسبب الانقطاع.

وشدد على أن هذه المخاطر تمس مبادئ أساسية تقوم عليها الصفقات العمومية، من بينها حرية الولوج إلى الطلبية العمومية، والمساواة في معاملة المتنافسين، والشفافية في اختيار صاحب المشروع، والنزاهة والحكامة الجيدة، فضلا عن حماية المال العام.

منازعات قضائية قد تكلف الدولة تعويضات

وفي ما يتعلق بالتبعات القانونية، أوضح أموليد أن المتنافسين الذين لحقهم ضرر جراء تعطل البوابة يمكنهم اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض، شريطة إثبات الضرر وتوافر الشروط القانونية اللازمة لترتيب المسؤولية.

وحذر من أن ثبوت مسؤولية الإدارة عن الأضرار قد يؤدي إلى صدور أحكام بالتعويض، بما يرتب أعباء إضافية على المال العام، خاصة في ظل غياب قواعد واضحة تحدد كيفية معالجة آثار الانقطاع وضمان حقوق الأطراف المتضررة.

ودعا في هذا الإطار إلى توضيح موقف الجهات المعنية، بما فيها الخزينة العامة للمملكة ووزارة الاقتصاد والمالية واللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، بشأن تداعيات الانقطاع والمسؤوليات المرتبطة بتدبير الصفقات العمومية.

بروتوكول رسمي لضمان استمرارية الخدمة

وفي مواجهة هذه الإشكالات، دعا أموليد إلى إصلاح مرسوم الصفقات العمومية ووضع بروتوكول رسمي ومعلن يحدد الإجراءات الواجب اتباعها عند توقف البوابة الإلكترونية، ويوضح حقوق والتزامات الإدارات صاحبة المشاريع والمتنافسين والجهات المكلفة بتدبير المنصة.

وشدد على ضرورة وضع قواعد دقيقة لتدبير آجال إيداع العروض، تحدد شروط تمديدها أو تعليقها وكيفية استئناف المساطر، بما يحول دون ضياع حقوق المقاولات بسبب أعطال تقنية خارجة عن إرادتها.

كما اقترح إقرار آلية موحدة للإخبار تضمن إشعار جميع المتنافسين المعنيين فور تسجيل أي انقطاع، وتعزيز التوثيق الإلكتروني عبر سجلات زمنية دقيقة تسجل توقيت الأعطال ومدتها وتأثيرها على العمليات الجارية، بما يساعد على إثبات الوقائع عند نشوء المنازعات، مع ضمان حماية البيانات المخزنة في المنصة.

وأكد الباحث أن رقمنة الصفقات العمومية ينبغي أن تواكبها تدابير تضمن استمرارية الخدمة، من خلال إعداد خطة بديلة تسمح بتدبير الحالات الاستثنائية التي يتعذر فيها استعمال البوابة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصفقات لحاجيات مستعجلة، مثل توفير الأدوية للمؤسسات الصحية.

وختم أموليد بالدعوة إلى إحداث لجنة مختصة لتقييم الأثر الفعلي للأعطال وإعداد تقارير دورية بشأنها، بما يسمح بتحديد الاختلالات المتكررة وتطوير آليات الوقاية منها، مع إدراج هذه الإشكالات ضمن إصلاح المرسوم والقرارات التنظيمية المرتبطة به، بهدف حماية حقوق المتنافسين وضمان استمرارية المرفق العام وصون المال العام.

شاركها.

التعليقات مغلقة.