أعاد مشروع القرار الأمريكي الجديد بشأن الصحراء المغربية ملف النزاع إلى واجهة النقاش داخل مجلس الأمن، في ظل توجه نحو إعادة صياغة مهام البعثة الأممية “المينورسو” وتوسيع دائرة المشاورات السياسية، مقابل تشبث واشنطن بمقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للتفاوض.
وفي مواجهة هذه التوجهات، لوحت جبهة “البوليساريو” الانفصالية بالانسحاب من عملية السلام، في حال اعتماد المجلس المسودة دون إدخال تعديلات جوهرية عليها.
واعتبر الخبير في العلاقات الدولية وإدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر، شادي البراق عبد السلام، أن تلويح “البوليساريو” بالانسحاب يعكس “مأزقا سياسيا” أكثر مما يشكل تحولا في موقفها، قائلا إن “قراءة مسودة قرار مجلس الأمن الدولي الجديد بشأن قضية الصحراء، وما تلاها من تلويح البوليساريو بالانسحاب من العملية السياسية، لا يمكن تصنيفه إلا في خانة تحصيل الحاصل، وعملية هروب إلى الأمام تنم عن الإفلاس الجيوسياسي والارتهان لخيار المأزق الصفري”.
وتعكس الرسالة التي وجهتها الجبهة إلى رئيسة مجلس الأمن حجم اعتراضها على المسودة الأمريكية، التي ترى أنها تتبنى الموقف الأمريكي من النزاع، ولا سيما ما يرتبط بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.
وكانت الجبهة قد حذرت من مقتضيات اعتبرت أنها تمس أسس العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، ورفضت أي مقاربة تضع إطارا مسبقا للمفاوضات أو تحدد نتائجها قبل التوصل إلى اتفاق بين الأطراف.
وفي هذا السياق، قال البراق، في تصريح لجريدة “سفيركم”، إن “هذا الموقف لا يحمل أي مفاجأة سياسية أو قانونية، بل يوضح حالة الانكشاف الاستراتيجي وغياب الإرادة السياسية لدى هذه الميليشيا للانخراط الجدي في التسوية، مع اختزال دورها في منظمة وظيفية تخدم أجندات إقليمية توسعية، بغرض التغطية على واقع الخناق الجيوسياسي والمحاصرة الميدانية التي يفرضها المغرب على الأطروحة الانفصالية”.
وتتجاوز المسودة الأمريكية، وفق المعطيات الواردة فيها، مسألة تمديد ولاية “بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية”، إذ تقترح تغيير اسمها إلى “بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية”، مع إنهاء ولاية حفظ السلام في 30 أبريل 2027، والانتقال، ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها، إلى صيغة بعثة سياسية خاصة تستمر إلى غاية 31 أكتوبر 2027.
كما تدعو المسودة إلى خفض عدد العسكريين المأذون بهم في البعثة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، مع إعادة تنظيم انتشارها وإغلاق عدد من مواقعها. وتكلف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم مقترحات مفصلة بشأن مستقبل البعثة وهيكلها ومواردها، في موعد أقصاه 15 دجنبر المقبل.
ويرى البراق أن التلويح بالانسحاب لا يمكن فصله عن تطورات المسار الميداني منذ سنة 2020، موضحا أن “انسحاب الميليشيا الفعلي من عملية السلام قد بدأ وتكرس ميدانيا منذ تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار في 13 نوفمبر 2020، إثر قيام القوات المسلحة الملكية بتأمين معبر الكركرات بشكل حاسم وسلمي وقانوني، مع فرز واقع جيواستراتيجي جديد على الأرض”.
وأضاف البراق: “ومنذ ذلك التاريخ، وضعت الميليشيا نفسها في موقع الشرود السياسي خارج الإطار التوافقي للأمم المتحدة، وبالتالي فإن تهديدها الحالي بالانسحاب هو مناورة جوفاء وقفزة في الهواء لمحاولة تسويق وهم سياسي أمام واقع حسمه منطق التوازن الميداني والتفوق الدبلوماسي منذ سنوات”.
وعلى المستوى السياسي، تضع المسودة الأمريكية مقترح الحكم الذاتي المغربي، بصيغته الموسعة والمحدثة، في صلب المفاوضات، وتدعو الأطراف إلى الانخراط بفاعلية وبروح بناءة على أساسه. كما تشير إلى أن المقترح شكل أساسا للمناقشات خلال جولات التفاوض المباشرة التي احتضنتها واشنطن ومدريد. وتؤكد أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يشكل، وفق صياغة المشروع، الحل الوحيد القابل للتصور للنزاع.
ومن بين المقتضيات التي تثير اعتراض “البوليساريو”، دعوة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى توسيع مشاوراته لتشمل طيفا أوسع من المكونات والمحاورين الصحراويين. بمن فيهم فاعلون من خارج الأطراف المشاركة مباشرة في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات تندوف أو ضمن الجاليات المقيمة في الخارج. ومن شأن هذا التوجه أن يوسع دائرة المشاركة في النقاش بشأن مستقبل الصحراء. في وقت تتمسك فيه الجبهة بادعاء حصرية تمثيل الصحراويين.
وتشمل المسودة أيضا دعوة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استكمال تسجيل سكان مخيمات تندوف خلال ستة أشهر، وفق القانون الدولي والمعايير المعتمدة. مع ضمان حرية التنقل والوصول اللازمين لإنجاز العملية وتقييم الحلول الدائمة. ويضع هذا المقتضى ملف الإحصاء ضمن القضايا المطروحة في النقاش الأممي. إلى جانب مستقبل البعثة وآليات مواصلة العملية السياسية.
وفي قراءته لهذه التطورات، اعتبر البراق أن التلويح بالانسحاب يأتي في سياق محاولة الضغط على مجلس الأمن، قائلا إن “هذه المناورات المكشوفة تأتي في إطار الابتزاز السياسي المكشوف والضغط على مجلس الأمن، بعدما أكدت مسودة القرار الأممي مجددا المرجعيات الواقعية للحل وجدية مبادرة الحكم الذاتي المغربية. وهو ما يفسر التخبط الدبلوماسي والارتباك لدى الطرف الآخر الذي لم يعد يملك سوى خطابات التهديد الفارغة والاستهلاك الإعلامي. نتيجة الاختراقات الدبلوماسية المتتالية للمملكة وتوالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء. مما عمق العزلة الدولية للأطروحة الانفصالية وحصر الميليشيا وراعيها الإقليمي في زاوية الانكماش والتهميش”.
وفي مقابل اعتراضات الجبهة، تؤكد المسودة ضرورة الالتزام بوقف الأعمال العدائية والامتناع عن أي تحركات من شأنها تقويض العملية السياسية. كما تدين الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في 5 ماي 2026.
ولا يزال المشروع خاضعا للمناقشة بين أعضاء مجلس الأمن، مع دعوة الدول الأعضاء إلى تقديم ملاحظاتها ومقترحاتها التعديلية قبل 31 أكتوبر الجاري. ما يعني أن صيغته النهائية تظل رهينة المشاورات الجارية.
وختم البراق تصريحه بالتأكيد على أن “الموقف المغربي يظل ثابتا ومسؤولا من موقع القوة والشرعية الدولية في تعامله مع المسار الأممي. مرتكزا على واقعية الطرح وثبات السيادة مع مواصلة التنمية الشاملة للأقاليم الجنوبية. حيث تؤكد هذه التطورات أن الدينامية السياسية تسير بثقة نحو الحل السياسي الدائم تحت السيادة المغربية. بينما تختار الميليشيا الانفصالية ومن يحركها البقاء في حلقة مفرغة من العدمية السياسية خارج سياق التاريخ والتوازنات الدولية الراهنة”.


