عكست مداخلات الفرق البرلمانية خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، داخل لجنة المالية، تباينا في المواقف بشأن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، بين انتقادات للإعفاءات الضريبية الممنوحة عند استيراد المواشي، وتحذيرات من معاداة رجال الأعمال، ودعوات إلى تعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق الإنصاف الجبائي.
الأحرار رفض المقابلة بين الاقتصادي والاجتماعي
عبر ياسين عوكاشا، رئيس الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار، عن رفضه لما اعتبره تنكرا من الحكومة الحالية للمكتسبات التي راكمتها جهود المؤسسات والحكومات السابقة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، مبرزا أن حزبه ساهم في البناء الديمقراطي والمؤسساتي للبلاد، وتحمل مسؤوليات حكومية وتدبيرية في مراحل مختلفة.
كما أشار إلى أن الاختلاف السياسي المشروع ينبغي أن ينصب على نجاعة السياسات العمومية وعدالة نتائجها، لا على افتراض احتكار طرف سياسي للبعد الإنساني، مقابل اختزال طرف آخر نظرته إلى المواطن في بعده الاقتصادي.
وانتقد عوكاشا خطاب وزير الاقتصاد والمالية، فوزي لقجع، خلال تقديم مشروع قانون المالية، معتبرا أنه انطلق من مقابلة بين دولة اجتماعية تختزل أدوارها في توزيع المساعدات، ودولة اجتماعية منتجة تقوم على الاستثمار والمبادرة وخلق الثروة.
كما سجل استحضار مفاهيم سياسية وإيديولوجية قديمة، وصفها بأنها “خارج السياق السياسي الوطني”. بما يوحي، وفق المتحدث، بأن الاختيارات السابقة كانت تقوم على تغليب منطق السوق والربح على متطلبات العدالة الاجتماعية.
واستحضر في هذا السياق استعمال تعبيري “النيوليبرالية” و”الرأسمالية المتوحشة”،منبها إلى ما تحمله هذه المفاهيم من شحنات إيديولوجية تعيد النقاش السياسي إلى صراعات ومفاهيم من زمن سابق.
وحذر ممثل حزب التجمع الوطني للأحرار داخل لجنة المالية من أن يؤدي الإفراط في توظيف هذه المفاهيم إلى خلق تقابل مصطنع بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، وتوسيع الهوة بين القرار السياسي والفاعلين الاقتصاديين، وكأن الدفاع عن العدالة الاجتماعية يقتضي الدخول في مواجهة مع الاستثمار والمقاولة وخلق الثروة.
وشدد عوكاشا على ضرورة بناء علاقة متوازنة تجعل الاستثمار في خدمة التنمية والإنسان، وتضمن للدولة دورها في تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، مؤكدا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الانتصار في معركة المفاهيم الإيديولوجية البالية، بل في بناء الثقة وتقديم نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة للمغاربة.
تحذير من تشريع الريع عبر الإعفاءات الدائمة
من جهته انتقد إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية، الإجراءات الجبائية الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027. ولا سيما ما يتعلق بالإعفاءات الممنوحة عند استيراد المواشي. مخاطبا وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع بالقول: “راكم تديروا تشريع للريع عبر الإعفاء الدائم”.
وانتقد الأزمي توجه الحكومة نحو إقرار إعفاء دائم من الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد المواشي والأبقار. معتبرا أن هذا الاختيار يخدم مصالح المستوردين على حساب الفلاحين والكسابة المغاربة.
وشدد على أن الأولوية ينبغي أن تمنح لدعم الفلاح الصغير والمتوسط، وتقوية الإنتاج الوطني. بدلا من الاستمرار في الاعتماد على الاستيراد لمعالجة اختلالات السوق.
كما استحضر تصريحات سابقة للوزير لقجع بشأن محدودية أثر بعض التدابير المرتبطة بالاستيراد. متسائلا عن جدوى تحويلها إلى إعفاءات دائمة، رغم الانتقادات التي رافقت نتائجها الاقتصادية.
المطالبة بإنصاف ذوي الحقوق في المعاشات
ريم شباط، رئيسة الفريق الحركي، نبهت خلال مداخلتها بشأن محاور الحماية الاجتماعية، إلى ضرورة الكشف عن الجدولة الزمنية والموارد المالية المعبأة لتنزيل الورشين المتبقيين، المتعلقين بتوسيع الانخراط في أنظمة التقاعد وتعميم التعويض عن فقدان الشغل. فضلا عن توضيح الاعتمادات المرصودة للتأمين الإجباري عن المرض والدعم الاجتماعي المباشر.
وفي هذا السياق، قالت شباط إن حزب الحركة الشعبية يثمن. في إطار ما وصفته بالمعارضة المنصفة التي تعترف بالإيجابيات كما تنبه إلى الاختلالات، الإعلان عن رفع معاشات الأرامل بنسبة تتراوح بين 50 و100 في المائة، ابتداء من يناير 2027. بما سيمكن أكثر من 431 ألف أرملة من الاستفادة من هذه الزيادة. إلى جانب الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم، بهدف بلوغ 3000 درهم مع نهاية الولاية الحكومية.
واعتبرت أن هذه الخطوات إيجابية وتعكس نفسا اجتماعيا مطلوبا لحماية الفئات الهشة، لكنها تساءلت. في المقابل، عن مصير معاش الموظفة المتوفاة، وعن استمرار حرمان زوجها الأرمل وأبنائها وذوي الحقوق من الاستفادة منه.
وأكدت أن الموظفة تؤدي الاقتطاعات المستحقة وتفي بالتزاماتها طوال حياتها المهنية. غير أن معاشها يضيع بعد وفاتها، دون أن يستفيد منه أفراد أسرتها المستحقون. معتبرة أن هذا الوضع يستدعي مراجعة أنظمة التقاعد والمعاشات. بما يضمن نقل المعاش إلى الزوج الأرمل والأيتام، تحقيقا للمساواة وتكريسا لعدالة التغطية الاجتماعية.
الاستثمار العمومي مطالب بأثر اجتماعي ملموس
من جانبه، اعتبر حسن لشكر، رئيس الفريق الاشتراكي، أن الجيل الجديد من السياسات العمومية ينبغي أن يقوم على ثلاث ركائز مترابطة، تتمثل في حماية المواطن من آثار الأزمات، وإعداده لاقتصاد المعرفة والعمل اللائق، وتعزيز السيادة الوطنية في مجالات الماء والطاقة والغذاء والدواء والصناعة والرقمنة. مشددا على ضرورة قراءة أرقام مشروع قانون المالية لسنة 2027 في ضوء هذه الأولويات.
وعلى مستوى التوازنات الكبرى، أشار لشكر إلى أن المشروع يعتمد فرضية نمو في حدود 3,7 في المائة. وعجزا ميزانياتيا يبلغ 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع توقع أن تصل نسبة دين الخزينة إلى نحو 66,9 في المائة.
واعتبر أن هذه المؤشرات تعكس إرادة الحفاظ على الاستقرار المالي باعتباره شرطا لخدمة التنمية. مبرزا أن سلامة المالية العمومية تمكن الدولة من الوفاء بالتزاماتها. والاستثمار في المستقبل. والتدخل لمواجهة الأزمات.
وبالموازاة مع ذلك، يرتقب أن يبلغ المجهود الاستثماري الإجمالي للقطاع العام 400 مليار درهم خلال سنة 2027، وهو ما يعكس حجم الرهان على الاستثمار باعتباره محركا للنمو والتشغيل والتجهيز الترابي.
غير أن لشكر شدد على أن الأهم لا يكمن في حجم الاستثمارات وحده، بل في قدرتها على تحقيق قيمة مضافة وطنية. وتعزيز ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى الصفقات. وإحداث فرص شغل مستدامة. وتقليص الفوارق بين الجهات. مؤكدا أن المعيار الحقيقي لنجاعة الاستثمار العمومي والنمو الاقتصادي هو أثرهما الاجتماعي والمجالي.
وفي ما يتعلق بالموارد الجبائية، توقف رئيس الفريق الاشتراكي عند التطور المسجل في مداخيل الدولة. مشيرا إلى أن مشروع الميزانية يتوقع أن تصل الموارد المقررة للميزانية العامة. دون احتساب الاقتراضات المتوسطة والطويلة الأجل. إلى نحو 482,4 مليار درهم، مقابل 421,3 مليار درهم سنة 2026.
كما يرتقب أن تبلغ حصيلة الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة 203,48 مليارات درهم، مقابل 165,69 مليارا خلال السنة السابقة. فيما يتوقع أن تصل مداخيل الضرائب غير المباشرة إلى 185,55 مليار درهم.
واعتبر لشكر أن هذه الدينامية تمنح الدولة هامشا أوسع لتمويل اختياراتها الاجتماعية والتنموية. مشددا على أن النقاش الجبائي ينبغي ألا يقتصر على حجم الضرائب التي تجبيها الدولة. بل يجب أن يشمل كيفية تحصيلها، والفئات التي تتحمل عبئها، والغايات التي توجه إليها مواردها.
وأكد في هذا الإطار أهمية ربط الإصلاح الجبائي بمبدئي الإنصاف والفعالية. كما ينص على ذلك القانون الإطار المتعلق بالإصلاح الضريبي.
وفي السياق ذاته، اعتبر لشكر أن المراجعة التدريجية للضريبة على الدخل تعد من أبرز التحولات التي يتضمنها مشروع قانون المالية. مستحضرا رفع حد الدخل السنوي الصافي المعفى من الضريبة من 40 ألفا إلى 60 ألف درهم. وتبسيط الأشطر، واعتماد معدلات تصاعدية تبلغ 10 و20 و30 في المائة. إلى جانب خفض المعدل الهامشي الأعلى من 37 إلى 30 في المائة. في أفق استكمال الإصلاح سنة 2031.
واعتبر أن هذه الإجراءات توجه رسالة إلى الأجراء والطبقة المتوسطة مفادها أن العمل والدخل والقدرة على الادخار والاستهلاك توجد في صلب الاختيارات الحكومية.


