بقلم: لحسن العسبي
أسجل من الآن أن ما سيلي من كتابة تحليلية مطولة لن يتقبله كثيرون، في مقدمتهم ما يمكن وصفه إجرائيا وتجاوزا “العقل الجزائري” (عقل النخبة الحاكمة أساسا).
لنبدأ بالعناوين الطنانة الكبرى، ونقول إن “الجزائر في وضعية خطر”، وأن الذي سيتحمل الفاتورة للأسف بمنطق الأمور والوقائع هو المغرب بالدرجة الأولى.
كيف ذلك؟ أليس في الأمر مجرد مبالغة صحفية؟
ربما..
لكن عناصر القلق جهويا وإقليميا ضمن “الفضاء المتوسطي الإفريقي” قائمة تتحدى الجميع.
بعضهم، عن جهل وقلة فطنة، قد يفرح لأن تكون الجزائر مهددة وفي خطر، لكن منطق المصالح البعيدة المدى (مغربيا في المقام الأول وهو ما يهمنا) يوجب الإقرار أن ذلك ليس في مصلحة أحد. لأن استقرار الجزائر من استقرار المغرب، على القدر نفسه الذي استقرار المغرب من استقرار الجزائر (حتى وإن كانت النخبة الفاعلة في السلطة هناك لا تدرك ذلك كما يجب عمليا في عمى سياسي مثير).
لنقرأ الجغرافية جيدا حتى نفهم المقاصد.. ولننطلق من سؤال صغير وبسيط:
هل الجزائر مطوقة؟
الجواب: نعم..
لكن المفارقة الكبرى هي أن الجهة الوحيدة التي لا يأتيها منها خطر هي الجهة المغربية..
الجزائر مطوقة من جوارها المتوسطي شمالا ومن جوارها المشرقي والجنوبي.
الكلفة التونسية الثقيلة
لنبدأ بتونس التي يُعتقدُ أنها أقل مداخل الخطر على الجزائر..
إن الأزمة التونسية مكلفة جدا للجزائر عكس ما يتوهم صناع القرار بقصر المرادية، حين سعيهم العبثي لمجرد “حلب النملة” مع ساكن قصر قرطاج بذات منطق نظام الأسد السوري مع لبنان ذات زمن..
إن المشكلة في تونس قائمة في تعثر “المشروع الوطني القومي” لجمهورية بورقيبة بشكل أكثر حدة منذ مجيئ الرئيس الحالي السيد قيس سعيد، الذي يمكن اعتباره سياسيا أول نموذج لما يمكن تجاوزا تصنيفه ب “اليمين القومي الشعبوي المتطرف” بالجنوب المتوسطي (في مقابل اليمين الشعبوي المتطرف في جواره المتوسطي شمالا في إيطاليا وبلدان البلطيق وغدا قريب في ألمانيا وفرنسا).
إن مخاطر الأزمة التونسية على جوارها الجغرافي كامنة في كلفتها الأمنية وفي كلفتها المالية المعتبرة، التي يتم تصديرها إلى الداخل الجزائري. فالفاتورة هنا مكلفة (كما لو أنه عمليا للحكومة الجزائرية ميزانيتان) يؤديها المواطن الجزائري من حقوقه المشروعة في التنمية المستدامة. وهي كلفة تضاف إلى الملايير الأخرى من الدولارات منذ 1974 المخصصة ضد كل ما هو مغربي عبثا..
المفارقة هنا، هي أن النخبة التونسية أفضل دربة في ممارسة السياسة من النخبة الجزائرية، لسبب مفصلي هو أن بنية العقل السياسي بمنطق الدولة في تونس نحتتها تاريخيا تجارب معتبرة في مجال “فكرة الدولة” أقله منذ العهد الحسيني في نهاية القرن 18. بينما في المقابل بنية العقل السياسي بمنطق الدولة في الجزائر صنعها منطق “التحرير” الذي انتهى إلى مركزية المؤسسة العسكرية في خلق “الدولة القومية الجزائرية” ما بعد 132 سنة من الإستيطان الفرنسي (وليس الإستعمار). الإستيطان الذي ترك لأي سلطة تدبيرية بقصر المرادية بعد سنة 1962 كلفة أخرى هائلة متمثلة في مشاكل ترابية حدودية مع كل الجوار الجزائري (ليبيا، تونس، المغرب).
صحيح أنه يتغلب مرحليا اليوم رغم ذلك (بسبب الأزمة المركبة آنيا في بلاد قرطاج) منطق “النظام العسكري” بالجزائر على واقع “النظام المدني” في تونس. مما يُنتجُ واقعا أشبه ب “التبعية” التونسية للجزائر، بثقل كلفته الكبيرة على أبناء بلاد ديدوش مراد.. الكلفة التي يُخشى أنها قد تتحول إلى ورطة.. دون إغفال أنه بمنطق الجوار الجغرافي طبيعي ومطلوب وعادي أن تكون هناك علاقات تعاونية بين البلدين، لكن ليس بمنطق الوصاية بل بمنطق التعاون والتكامل.
المصيدة الليبية
إن الجوار الليبي اليوم هو من بين أكبر مداخل الخطر على الجزائر.. ليس بسبب خيار ليبي مسبق، بل بسبب تعدد الأجندات الخارجية الفاعلة في بلاد عمر المختار.. حيث القرار السيادي موزع بين طرابلس وبنغازي.. وإن شئنا تسمية الأشياء بمسمياتها فإن ذلك القرار موزع بين الأجندة التركية والأروبية (ألمانيا بدرجة أولى ثم فرنسا وإيطاليا بعدها)، وبين الأجندة الأمريكية والأجندة الروسية..
للأسف لا تزال ليبيا ضحية إرثها القبلي التاريخي من حيث إنها موزعة بين جغرافياتها الثلاث الكبرى (برقة بالشرق بعاصمتها بنغازي، ثم الغرب بعاصمتها طرابلس وأخيرا فزان بالجنوب بعاصمتها سبها). والصراع اليوم هناك إنما هو عودة إلى ذات الأصل الذي تأسست عليه “الدولة الليبية الحديثة” ما بعد الإستعمار الإيطالي منذ 1951. كان الحل حينها هو إعلاء “الملكية السنوسية” (ذات الجذور المغربية الإدريسية تاريخيا) للجمع بين قبائل الشرق وقبائل الغرب وقبائل الجنوب، قبل أن يُسقطها انقلاب عسكري سنة 1969 بزعامة جماعة معمر القذافي القبلية بمدينة سرت التي تُعرفُ تاريخيا على أنها ظلت الوسيط بين برقة وطرابلس.
ها هنا يكمن السر في أن “الحل التدبيري” في ليبيا يكون لمن يمتلك “قوة السلاح” وليس فقط “قوة المال” (التجارة بين البحر والصحراء سابقا والبترول اليوم). بالتالي تميل الكفة الآن لبرقة بسبب نجاعة تنظيمها العسكري المدعوم من قوى خارجية بقيادة الجنرال حفتر المتحالف مع حسابات واشنطن بالدرجة الأولى كقوة عالمية بالمجال الليبي في أبعاده المصرية والمتوسطية والسودانية والتشادية وبعمق بلاد الساحل..
صحيح أنه لم تحسم المعركة السياسية بعد في ليبيا (بسبب عدم الحسم مع العاصمة طرابلس) لكن على الميدان فإن الحسم قائم مع القوة التنظيمية لجيش حفتر.
هل الجوار الليبي بكل هذه العقد المركبة التي تميزه تحسن الجزائر التعامل معه؟
واقعيا لا..
بسبب الخطأ الدائم للديبلوماسية الجزائرية القائم على منطق “وهم الهيمنة الإقليمية” دون التوفر على الأدوات الحاسمة لذلك مؤسساتيا. الأمر الذي يجعلها تتعامل مع الملف الليبي بذات منطق الوصاية الذي تتعامل به منذ مدة مع الملف التونسي. وهنا منبع الخطر على المجال الجغرافي الطاقي الحدودي شرق الجزائر..
مهم تسجيل أن “الواقعة الليبية” أمنيا مختلفة تماما عن “الواقعة التونسية”، بسبب الإمتداد الجغرافي الصحراوي الكبير بين الحدود الليبية والجزائرية (يشكل ما يعرف ب “مثلث السلفادور” بين ليبيا والجزائر والنيجر أخطر مجالاته)، ثم تداخل الخلاف الحدودي بين البلدين مع تداعيات الصراع على السلطة بليبيا، خاصة مع طموح جيش الجنرال حفتر التحكم في المجال الحدودي الحيوي باتجاه مدينة غدامس بغاية تطويق حكومة طرابلس من الجنوب المفضي عمليا إلى إسقاطها بسرعة.
إن ما يجب تسجيله هنا ضمن سياق هذه القراءة التحليلية، علامات التوتر الطويلة لترسيم الحدود بين البلدين المغاربيين (ليبيا والجزائر) وإسقاطات ذلك على الأمن القومي لكل من ليبيا وتونس والنيجر والجزائر. إننا هنا أمام برميل بارود عالي الحرارة قليلا ما يُنتبهُ إليه إعلاميا، حتى وهو مجال جغرافي يستمد أهميته المؤثرة مما يتوفر عليه من ثروات طبيعية هائلة وحاسمة (البترول والغاز من الجهتين الليبية والجزائرية، ثم اليورانيوم والذهب من الجهتين الليبية والنيجيرية)، على قدر ما يشكله بشريا من مجال حيوي لمجموعات إثنية ذات مشترك ثقافي وهوياتي ولغوي التي هي الطوراق وصولا حتى شمال مالي.
إن من القنابل الموقوتة في العلاقة بين ليبيا والجزائر مسألة عدم ترسيم الحدود إلى اليوم، بسبب خلاف محوري يعود إلى تباين المرجعية لتحديد تلك الحدود بين البلدين منذ عهد نظام معمر القدافي. فالجزائر على عادتها وعقيدتها المتأسسة على “قدسية الحدود الموروثة عن الإستعمار” (كهبة استعمارية وليست استحقاقا وطنيا نضاليا) تصر منذ الستينات على اعتماد “اتفاقية 1957” التي فرضتها فرنسا على الملكية الليبية لترسيم الحدود والتي سجلتها باريس بالأمم المتحدة دون أن يصادق عليها قط البرلمان الليبي إلى اليوم. بينما تلح طرابلس منذ عقود على أن الجلوس ضمن لجنة لترسيم الحدود بين البلدين لا يمكن أن يتم تأسيسا على “إرث استعماري” تم بالإكراه.
كان من نتائج هذا الخلاف والتوتر المستدام (المبطن) تسجيل سلسلة توترات مقلقة جزائريا على الحدود مع ليبيا ممكن الإشارة إلى بعض من أحداثها خلال السنوات الخمسة عشرة الأخيرة:
- أولها، الهجوم المسلح الخطير الذي نفذته جماعة متطرفة (نسبت إلى تنظيم القاعدة بالمغرب العربي) شهر يناير 2013 على حقل الغاز الكبير بمنطقة “أمناس” على الحدود مع ليبيا، الذي اتهم فيه رسميا وزير الداخلية الجزائري حينها دحو ولد قابلية أن ليبيا هي مصدر الهجوم وأنها مجال التدريب والتخطيط. وهي التهمة الخطيرة التي رد عليها رئيس الحكومة الليبية المؤقتة حينها علي زيدان بأنها غير مسنودة وكاذبة بدليل أن القاعدة العسكرية الليبية “اللويغ” لا علاقة لها أبدا بالعملية كما تم التلميح إلى ذلك جزائريا..
المشكل كان في التدويل الذي سجلته تلك العملية المسلحة (مع احتمالات تدخل عسكري أجنبي فوق التراب الجزائري) بسبب احتلال حقل الغاز كله واحتجاز مئات الرهائن جزائريين وأجانب (بريطانيين، أمريكيين، يابانيين، رومانيين، دنماركيين، إيطاليين، فرنسيين). انتهى بتدخل قوات عسكرية من الوحدات الخاصة أدى إلى مقتل 23 رهينة غالبيتهم أجانب.
- ثانيها، تحرك كبير لقوات الجنرال حفتر يقودها نجله صدام حفتر ابتداء من 7 غشت 2024 نحو محور “مثلث السلفادور” غايته إعادة تذكير الجميع على أن مسألة الحدود مع الجزائر ليست نهائية وأن التحكم في المجال الممتد من الحدود مع النيجر جنوبا حتى محور مدينة غدامس شمالا عند نقطة تلاقي الحدود بين ليبيا وتونس والجزائر هو قرار سيادي ليبي خالص.. بكل ما يتضمنه ذلك من فتح ملفات حقول نفط وغاز يعتبر الليبيون أن الجزائر تستغل الأوضاع الأمنية الليبية بعد سقوط نظام القذافي وضعف مؤسسات الدولة بطرابلس لتفرض الأمر الواقع على مستوى الإستغلال الأحادي لتك الثروات الهائلة (نموذج حقول “واد مرابية”).
- دون إغفال ما سجل قبلها من تحركات عسكرية لقوات حفتر سنتي 2018 و2019 التي استهدفت التحكم في العاصمة طرابلس، مما استصدر رد فعل جد عنيف من السلطات الجزائرية (تصريح الرئيس تبون أن “طرابلس خط أحمر”). بل إن الرئاسة الجزائرية ستعلن سنة 2021 أنها كانت ستتدخل فعلا عسكريا في ليبيا..
الرمال المتحركة للنيجر
تعتبر تطورات جبهة النيجر أخطر مصيدة تهدد الأمن القومي للجزائر اليوم. ليس فقط بسبب تدخل الجيش الجزائري لأول مرة منذ الإستقلال خارج بلده (نزوله بالقاعدة الفرنسية السابقة بمدينة آرليت) يوم 30 أكتوبر 2026 بعد توقيع بروتوكول تعاون عسكري مع وزير الدفاع لدولة النيجر يوم 21 أكتوبر 2026، بعد موافقة بالأغلبية من قبل البرلمان الجزائري بغرفتيه (السفلى والعليا) على ذلك التدخل العسكري يوم 25 أكتوبر 2026. بل بسبب تشابك القوى العسكرية والأمنية والتجارية في ذلك المجال الجغرافي المركزي بمنطقة الساحل (خزان ثروات طبيعية حاسمة من بترول وغاز ويورانيوم وذهب وحديد).
يعتبر إذن هذا التطور أول انجرار للجزائر في رمال المشاكل الأمنية الخطيرة بمنطقة الساحل عبر بوابة النيجر.. البوابة التي أدت إلى رد فعل سريع من قوات الجنرال حفتر التي تحركت بدورها بكثافة صوب الحدود بين البلدان الثلاثة (مثلث السلفادور)، بل ومسارعة ذات وزير الدفاع لدولة النيجر إلى السفر إلى ليبيا للقاء قيادة جيش حفتر..
هنا نحن أمام تدويل أمني جديد في صلبه تجاذبات الخلاف الكبير بين الحساب الجزائري والحساب الليبي وفي الخلفية تحظر الحسابات الأمريكية والروسية والتركية والأروبية. الأمر الذي يفرض وجوبا مجهودا لوجيستيا عسكريا وماليا غير بسيط يقع على كاهل الدولة الجزائرية.. فهي جبهة أمنية أخرى فتحت تنضاف إلى ثقل الجبهة التونسية والجبهة الليبية.
هنا يحق التساؤل إن لم يكن هذا التدخل أول طريق طويل لتوريط الجزائر في مخاطر الرمال المتحركة للمنطقة ي2ُخشى أن تكون نتائجه كارثية على ما ظل ينبه إليه مسؤولون كبار للجزائر (نموذج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة) من “تقسيم الجزائر”..
ألسنا هنا أمام ملامح سيناريو مشابه لما وقع في سورية؟.
أليس مثيرا أن حضور إيران وتركيا فيه يهب للسيناريو كامل توابله المتبقية؟.
مالي باب مخاطر الطوارق
هنا نصل إلى أعقد الحدود التي ورثتها الدولة الجزائرية عن الإستيطان الفرنسي (بعض الحدود تكون نقمة عكس ما يتوهم إخوتنا بالجزائر). ليس فقط لأن مالي هي بوابة العمق الإفريقي الطبيعي لها، بل لأنها مجال لواحد من أخطر الملفات ذات التقاطع مع مستقبل جماعة بشرية توحد بينها هوية ثقافية واجتماعية هي “الطوارق”.. فليس من باب المبالغة الصحفية أن تكتب بعض كبريات الصحف الأروبية والغربية أن “الطوارق هم أكراد الساحل”، في إحالة على تشابه الملف الكردي مع الملف الطوارقي من حيث توزع مجالات انتشار الطوارق على عدد من الدول الحديثة الموروثة عن التقسيم الإستعماري بشمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
يشكل عمليا تجمع الطوارق في الجنوب الجزائري والشمال المالي أكبر تجمع بشري لهم بالمنطقة، مع امتدادات أقل في جزء من النيجر وجزء من ليبيا.
سيكون إحياء مارد هذا الملف بحساب الأجندات الدولية المتنافسة على ثروات منطقة الساحل واحدا من أخطر الملفات السياسية تدبيريا الذي سيُمتحن فيه “الذكاء السياسي التدبيري” للدولة الجزائرية. وإذا كان ملف الطوارق بارزا بشكل أكبر منذ الستينات في دولة مالي بسبب “ضعف بنية الدولة” بها مؤسساتيا وأمنيا وعسكريا بشكل يهدد وحدة التراب المالي (تقريبا نصف الجغرافية المالية)، فإنه قد ظل ثاويا مُتَحَكَّمًا فيه بالجهة الجزائرية بسبب بنية الدولة العسكرية القوية بها وكذا تداخل المصالح الدولية لحماية مجال من أهم مجالات البترول والغاز بشمال إفريقيا الذي تضمه بالتحديد مجالات انتجاع طوارق الجزائر.
بالتالي يدرك العقل السياسي للدولة الجزائرية محورية هذا الملف الصعب، الذي تدبره منذ سنوات بقوة التنظيم المجالي للتراب الجزائري عبر الأداة الأمنية والعسكرية.
المشكلة هناك اليوم هي في التداخل مع الأزمة المالية التي يضاعف من مخاطرها ضعف الإستثمار من الجهة الجزائرية في مجالات التنمية بها من جهة (نموذج ولاية تمنراست)، وكيفية التعامل بوصاية مع الحكومة المالية لسنوات من قبل الحكومات الجزائرية من جهة أخرى. الأمر الذي لم تعد تقبل به النخب الجديدة الصاعدة إلى السلطة بباماكو. أكثر من ذلك إن ما كانت تتغاضى عنه القوى الدولية في هذا الملف يُخشى أن السياقات اليوم تغيرت مما سيغير أشكال تفاعلها معه. الأمر الذي يجعله أخطر ملف يهدد الاستقرار بجارتنا الشرقية.
هنا التحدي جزائريا أكبر بكثير من “الملف القبايلي”، ولربما سيكون هذا الملف الثاوي اليوم (كنار تحت رماد) واحدا من التحديات التدبيرية التي ستواجه العقل السياسي بالجزائر لن يجد من حل له سلميا سوى اعتماد خيار “الحكم الذاتي ضمن السيادة الجزائرية”..
بل هنا الجزء الآخر لأزمة “الصحراء الجزائرية” بالخلفية التي كانت تخطط لها باريس الإستعمارية لإنشاء ما يعرف ب “التنظيم الجماعي للمناطق الصحراوية” سنة 1957 (OCRS)، الذي وُضعت له عمليا نقطة النهاية سنة 1967، أي خمس سنوات بعد استقلال الجزائر من قبل باريس وليس السلطة الحاكمة بقصر المرادية.
ها هنا تكمن مخاطر ثقل فاتورة الحدود الموروثة عن الإستعمار بالنسبة للجزائر كدولة. لأنها تتحول من خلال ملفات معقدة مثل ملف المجال الطوارقي إلى مداخل لتهديد الاستقرار بها، بل أكثر من ذلك إلى أدوات لتنفيذ أي مخطط جهنمي لتقسيم بلاد الأمير عبد القادر كما ظل يخشاه ويعلنه مثلا الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وكل نخبة الإستقلال الجزائرية.
مفارقة التعقل المغربي والتصعيد الجزائري
هنا نصل إلى الخلاصات الكبرى من هذه القراءة التحليلية..
المفارقة الكبرى هي أن الجزائر مطوقة بمخاطر جدية تهدد وحدتها ووجودها كدولة من كل جوارها الجغرافي، شرقا وجنوبا وشمالا (مشاكلها التاريخية المركبة والمعقدة مع فرنسا)، وأن المجال الوحيد الذي لا يسجل فيه أي نوع من أنواع التهديد الوجودي لها هو جوارها المغربي. لكنها (يا لمكر الأمور ويا للمفارقة) لا تخطط وتنفذ استراتيجية تصعيدية سوى ضد المغرب (الدولة والشعب والمجتمع)..
ما السبب يا ترى وراء ذلك؟
سببه طبيعة الوعي السياسي المؤطر لنخبة القرار بالدولة الجزائرية المدرك أن القوة الدولتية والمجتمعية الوحيدة المنافسة لمشروعها في أن تكون “القوة الإقليمية” بكامل شمال إفريقيا هي المغرب والمغاربة بفضل قوة تراكم الدولة عندنا..
هذا مكر التاريخ ومكر الجغرافية ومفارقاتهما في المجال المغاربي..
إن اليقين الواهم لدى نخبة “الجمهورية الأولى” بالجزائر كامن في أن لها القدرة على ترويض كل جوارها الجغرافي إفريقيا عدا المجال المغربي، وأنه بالتالي استراتيجيا فإن مشروعها الأكبر هو العمل على إضعاف أسباب “القوة المغربية الوازنة” تلك من خلال مشروعين ضخمين:
- منع أي عمق ترابي استراتيجي للدولة المغربية صوب إفريقيا بالشكل الذي يضعف قوة موقعنا الجغرافي الحيوي بمضيق جبل طارق، عبر مواجهة نضالنا الوطني لاسترجاع أراضينا الصحراوية الجنوبية بالشكل الذي يؤدي إلى خلق “دولة هجينة” ضعيفة بشريا وترابيا وأمنيا تكون تحت وصاية الجزائر وتفتح لها معبرا حيويا نحو المحيط الأطلسي، بالشكل الذي يجعلها فعليا حينها القوة الإقليمية الكبرى بكامل شمال إفريقيا والمخاطب الإستراتيجي الوحيد مع مصالح القوى العالمية بالمنطقة.. لكن المغرب والمغاربة ليسوا حائطا قصيرا هنا سهل القفز عليه.
- ثانيا العمل بكل الوسائل بشكل عبثي لإضعاف نظامه السياسي الملكي لإدراكها أنه قوة صلابة الوحدة الهوياتية سياسيا وحضاريا للمغاربة منذ قرون المحقق من زمان لاستمرارية فكرة الدولة. إن الهوس ب “المخزن، المخزن، المخزن” في المخيال السياسي الجزائري آت من طموحهم تفتيت وحدة المغرب عبر استهداف نظامه السياسي.
المفارقة هي أنها تنسى في الطريق كم تقدم لنا خدمة جليلة ك “إنسية المغربية” من حيث تمنحنا أن نُجدد بطاريات “وعينا الوطني” الذي تشكل أصلا تاريخيا عندنا من خلال مواجهتنا البطولية منذ قرون لكل أشكال المخاطر الخارجية سواء القادمة من البر (المشرق) أو من البحر (الغرب).. فيا لها من هدية تاريخية يقدمها لنا النظام الجزائري..
لنطرح السؤال المركزي هنا:
هل الجزائر مطوقة؟ وهل هي في خطر وجودي؟
نعم.. بواقع تحليل الوقائع والتطورات ضمن محيطها الجغرافي وبواقع تفاعل مصالح القوى العالمية الكبرى التي تعيد بناء شكل جديد للنظام العالمي بأقطاب متعددة من خارج المركزية الأروبية الغربية، هي في خطر وجود حقيقي..
هل قدري أن تواجه الجزائر المجهول؟ أليس لها إذن من طوق نجاة حيوي آمن؟.
نعم، لها مجال حيوي لصناعة مستقبلها الآمن لأبنائها الطيبين والمحافظة على وحدتها وسلامة مشروعها الوطني مجاليا وتنمويا وأمنيا، هو البوابة المغربية..
إن مستقبل الجزائر الواعد والآمن كامنٌ في تطوير علاقتها مصلحيا وتعاونيا وتنظيميا مع المغرب. لأنه الجهة الوحيدة التي لا يأتيها منها الخطر وجوديا أبدا..
ألم تدرك النخبة الجزائرية الحاكمة أن ذلك بالضبط ما لا يُرادُ لها في مكان ما أن تنخرط فيه؟
إن عدوانها العبثي ضد كل ما هو مغربي هو انتحار وجودي لها.. يُخشى أن أجندات كثيرة خارجية تريده بقوة وتكاد هي بسياساتها العدوانية تنفذه بعمى تاريخي..
إن طوق نجاة الجزائر كامن في المغرب.. أي في أن تُطور علاقاتها معه بمنطق “رابح رابح” وجوديا كدول وشعوب.. لأنه علاقاتنا تاريخيا ومجتمعيا وهوياتيا ومصلحيا هي علاقات سيامية..
إن أي تصعيد جزائري ضد المغرب اليوم (عبر الأداة الوظيفية لجبهة البوليزاريو) سيفتح باب تحديات أمنية على وجودها من جبهات عدة أخطر بمسافات من الجبهة المغربية التي تبقى فعليا أكثر المجالات الجغرافية أمنا على المصلحة القومية العليا للجزائريين. الجبهة المغربية التي فرض عليها على كل حال واقع الأمور أن تدافع عن مصالحها القومية العليا بالمتوفر في اليد من إمكانيات. فهي لا يمكن أن تبقى كتوفة الأيدي تنتظر تعقلا من النخبة الحاكمة في جوارها المشرقي. فكثير من أشكال الدفاع المغربية المشروعة فرضت عليه بسبب “منغلق الرؤية الجزائرية” وعدوانها عليه..
إن مستقبل الجزائر أمنيا وتنمويا هو مع المغرب (دولة ومجتمع)، على ذات القدر الذي مستقبل المغرب أمنيا وتنمويا هو مع الجزائر (الدولة والمجتمع).. فهل ينتصر منطق المصلحة الحتمية بين الشعبين والبلدين؟.
“إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين”.. (الآية 56 من سورة القصص).








