أكد محمد العوني، رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير (حاتم)، أن النقاش الجاري في المغرب بشأن مشروعي قانون المجلس الوطني للصحافة والقانون المنظم للمحاماة يبتعدان عن الأرضية الدستورية المؤطرة لفصل السلط، معتبرا أن هذا الانزياح دفع المحكمة الدستورية إلى التدخل لتصحيح مسار المشروع التعديلي المتعلق بمجلس الصحافة، لكنه شدد في المقابل على أن جوهر الإشكال أعمق من مجرد تصحيح تقني أو قانوني.
وأوضح العوني، في تصريح لـ”سفيركم”, أن الدستور باعتباره أسمى قانون في البلاد يوجه مختلف التشريعات، غير أن مشاريع القوانين المدرجة حاليا لا تنطلق من هذا الأساس، ما يطرح إشكالا دستوريا وسياسيا ومهنيا، معتبرا أن غياب إعمال آليات المؤسسات الضامنة لفصل السلط هو جوهر الخلل في النقاش العمومي الراهن.
وأضاف أن مفهوم فصل السلط لم يعد يقتصر على السلط الثلاث الكلاسيكية: التنفيذية والتشريعية والقضائية، بل انضافت إليه في السياق المعاصر سلط ذات طابع معنوي ورقابي شعبي، من ضمنها الإعلام والمحاماة، مبرزا أن استقلالية الإعلام تتيح قيام علاقات متوازنة بين السلط، باعتباره يمارس وظيفة الرقابة ويعكس أيضا رقابة السلط لبعضها البعض، مثل رقابة المؤسسة التشريعية للعمل الحكومي، فضلا عن مواكبته للشأن القضائي في حدود احترام استقلال القضاء.
وسجل أن النقاش الحالي يتجه، بحسب تعبيره، نحو مقاربات “مزاجية” تتساءل عن نوع الصحفي المرغوب فيه، بدل الانطلاق من مبادئ الاستقلالية والتعددية والحرية، معتبرا أن أي تنظيم قانوني للإعلام يبنى على منطق إخضاع الصحفي أو جعله بوقا للسلطة التنفيذية هو أمر غير مقبول.
وفي ما يتعلق بالمحاماة، شدد العوني على أن هيئة الدفاع تشكل ركنا أساسيا من أركان استقلال القضاء، ولا يمكن الحديث عن قضاء مستقل في ظل إخضاع الدفاع لرقابة بيروقراطية أو وصاية تحد من استقلاليته، داعيا إلى مقاربة شمولية تعيد الاعتبار للبناء المؤسساتي الذي يضمن التوازن بين السلط داخل الدولة وداخل المجتمع.
وبخصوص الإطار القانوني المنظم لقطاع الصحافة، أشار إلى أن المدونة تضم، إلى جانب مشروع تعديل قانون المجلس الوطني للصحافة، قانون الصحافة والنشر والقانون المنظم للصحفي المهني، معتبرا أن منطق الإصلاح يقتضي طرح هذين النصين للتعديل أولا قبل الخوض في إعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة.
كما جدد موقف منظمته الرافض للتركيبة والصلاحيات التي أُسست عليها التجربة السابقة للمجلس، مؤكدا أن معالجة الاختلالات ينبغي أن تعيد الموضوع إلى أهله، أي الصحفيين أنفسهم، انسجاما مع صلاحيات المجلس التي لا تقتصر على تسليم بطاقة الصحافة أو مراقبة أخلاقيات المهنة، بل تشمل مهام أوسع تقتضي بيئة تضمن استقلالية الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والتعددية وتقديم الخدمة العمومية.
ودعا العوني إلى فتح نقاش عميق ومسؤول يشارك فيه الفاعلون في الدولة والمجتمع، بما يواكب مستجدات الوضع ويؤسس لإصلاحات تنطلق من المرجعية الدستورية، بدل مبادرات فردية ظرفية تمس المهن المنظمة دون نقاش مؤسساتي شامل.

