شهدت الزاوية القادرية البودشيشية بمداغ توترا بين أنصار كل من منير القادري ومعاد القادري بودشيش، على خلفية اتهامات وجهها أنصار هذا الأخير تتعلق بمنع إقامة الصلاة داخل فضاء يقدم على أنه مسجد، وهي التطورات التي لم تقف عند حدود التراشق بالاتهامات، بل تطورت إلى مناوشات ميدانية بلغت حد الاشتباك بالأيدي.
وفي خضم هذا الجدل، توصلت جريدة “سفيركم” بتوضيحات مفصلة، تتضمن وثائق وصور، من مصادر مقربة من الشيخ منير القادري بودشيش، توضح طبيعة الخلاف القائم حول ما اعتبرته “مغالطات” تم الترويج لها بخصوص منع الصلاة بمسجد الزاوية بمداغ، مقدمة سردا دقيقا لخلفيات الموضوع.

ووفق المصدر ذاته، فإن الفضاء موضوع الجدل ليس مسجدا بالمعنى الذي يتم الترويج له، بل يتعلق بمشروع بناء “معهد الفتح للعلوم الإسلامية والدراسات الصوفية”، وهو مؤسسة تعليمية أطلق فكرتها شيخ الطريقة الراحل حمزة رحمه الله، وتعنى بتدريس العلوم الشرعية والعربية والصوفية، و”تندرج ضمن أنشطة الزاوية القادرية البودشيشية، التي تعد من أبرز الطرق الصوفية بالمغرب ومرجعا في التصوف السني المعتدل” حسب تأكيد مصدرنا.
ويهدف هذا المعهد، حسب نفس المصدر، إلى تدريس العلوم الشرعية إلى جانب التربية الروحية والتعريف بمنهج الطريقة، باعتباره رافدا من روافد الهوية الدينية للمملكة. وقد تم تخصيص وعاء عقاري يمتد على خمس هكتارات لهذا المشروع، في ملكية خاصة تم وقفها وفق شروط محددة.

وأفاد المصدر أن “فكرة المشروع تعود إلى الشيخ حمزة رحمه الله، الذي اقتنى العقار ووجه بإطلاق المشروع، قبل أن يتم تشكيل لجنة تضم كبار الطريقة إلى جانب مهندسين وخبراء، برئاسة محمد القادري بودشيش، نجل جمال رحمه الله”، حيث أشرفت هذه اللجنة على إعداد الدراسات الأولية وتسليم المشروع لمكتب دراسات، ثم الشروع في الأشغال من طرف المقاول المكلف.
وأشار إلى أن الأشغال عرفت تقدما مهما قبل أن تتوقف لفترة، ليتم استئنافها سنة 2017 بتوجيهات ملكية، حيث تم تشكيل لجنة تحت الإشراف المباشر لوالي جهة الشرق بصفته صاحب مشروع منتدب، مع التنسيق الفعلي للدكتور محمد القادري بودشيش.
وفي هذا الإطار، تم الحصول على رخصة رسمية من عامل إقليم بركان بتاريخ 24 مارس 2017، تحت رقم 02/2017، تحمل عنوان “رخصة تسوية وتوسيع معهد الفتح بالزاوية القادرية البودشيشية بجماعة مداغ”. وتنص هذه الرخصة، بشكل صريح، على شرط أساسي مفاده: “ولا يفتح هذا المعهد في وجه عموم المصلين لإقامة شعائر الدين الإسلامي الحنيف به إلا بعد الحصول على شهادة المطابقة من طرف مصالح هذه العمالة”، وهو ما اعتبره المصدر شرطا واضحا لا يحتمل التأويل.

وفي ما يخص إقامة صلاة الجمعة داخل المعهد، أوضح المصدر أن ذلك تم في أواخر سنة 2019، وبالضبط يوم 13 دجنبر، بموجب قرار وزير الأوقاف رقم 418/19، رغم عدم توفر شهادة المطابقة وعدم الحصول على موافقة كتابية من أصحاب المشروع.
واعتبر المصدر أن هذا الترخيص جاء في إطار استثنائي ومؤقت، نظرا لهدم أقرب مسجد، وهو مسجد أبو بكر الصديق بدوار الحرشة الزاوية، وإعادة بنائه، إضافة إلى الظروف الصحية لشيخ الزاوية آنذاك جمال الدين القادري بودشيش.
وشدد على أن هذا الترخيص لا يغير من الطبيعة القانونية للبناية، ولا يجعل منها مسجدا تابعا للأوقاف، لافتا إلى أن الصلوات الخمس لم تكن تقام في قاعة المعهد، كما أن التصميم الهندسي لا يتضمن صومعة، رغم توفر مساجد قروية بسيطة على صوامع، ما يعزز، حسب قوله، أن الأمر يتعلق بقاعة صلاة داخل معهد ديني قيد الإنجاز.
كما أشار إلى أن صلاة الجمعة أقيمت والمعهد ما يزال في طور البناء، حيث لم ينته الشطر الأول من المشروع إلا بتاريخ 21 دجنبر 2021 تحت إشراف ولاية جهة الشرق، فيما لا يزال الشطر الثاني قيد الانتظار إلى حدود اليوم.

وبخصوص أسباب توقيف إقامة صلاة الجمعة، أكد المصدر أن الترخيص كان مؤقتا واستثنائيا، وأن استمرار الأشغال وغياب شروط السلامة استدعى الالتزام بالمقتضيات القانونية.
وفي هذا السياق، كشف عن توصل القائمين على المشروع، وعلى رأسهم محمد القادري بودشيش، برسالة من المهندسين بتاريخ 14 فبراير 2023، تدعو إلى منع استغلال موقع البناء بسبب عدم انتهاء الأشغال، تلتها رسالة تذكير بتاريخ 14 شتنبر 2024 تؤكد نفس المنع وتحذر من مخاطر الإهلاك وعدم سلامة الاستعمال.
وأضاف أن المعاينات الميدانية سجلت تشققات وتصدعات واضحة في عدد من أجزاء البناية، وهو ما دفع إلى إجراء خبرة تقنية بتاريخ 25 مارس 2026 من طرف مختبر المراقبة S2G، خلصت إلى ضرورة اتخاذ إجراءات احترازية.
وبناء على ذلك، تم في التاريخ نفسه إشعار السلطة المحلية، ممثلة في القائد، بملخص محضر إغلاق موقع البناء، وفقا لمقتضيات الفصلين 55 و57 من القانون 90-12، والقانون 12-66 من الظهير 2-18-577.
وشدد المصدر ذاته على أن الأشغال قد استؤنفت حاليا لاستكمال المشروع إلى حين الحصول على شهادة المطابقة، معتبرا أنه “لا مجال للمزايدة أو التأويل الخاطئ” لما يجري.
وأكد أن ما يتم الترويج له على أنه “منع لصلاة الجمعة” هو في الواقع قراءة مغلوطة لوضع تقني وقانوني واضح، يفرض التريث إلى حين استكمال الأشغال وضمان شروط السلامة، مشددا على أن القرار في هذا الشأن ليس بيد أشخاص أو جهات بعينها، بل من اختصاص المهندسين والخبراء والتقنيين.


تعليق واحد
لو سلّمنا جدلا بالسرديات التي جاء بها صاحب المقال، فإنّ جملة من التساؤلات المشروعة تطرح نفسها بإلحاح:
– لماذا لم يتم منع الصلاة في المسجد منذ سنة 2019، والحال أن سيدي جمال، قدّس الله روحه، ظلّ يداوم على الصلاة فيه إلى غاية انتقاله سنة 2025؟
– ولماذا تُقام فيه ليالي المولد كل سنة، إن كانت هذه البناية — كما يُدّعى — تشكّل خطرا؟
– ولماذا نظّم المنيريون فيه حفل العيد دون أدنى تخوّف؟
– ولماذا أُقاموا فيه ليلة القدر كذلك دون أي إشكال يُذكر؟
– أليس من الغريب أن هذه “التحفظات” أو “الادعاءات” لم تظهر إلا بعد تعيين سيدي معاذ شيخا رسميًا للطريقة، وإقامته الصلاة الرسمية في نفس المسجد؟
إن هذا التناقض الصارخ يطرح أكثر من علامة استفهام حول مصداقية هذه الروايات، ويجعلها أقرب إلى التلفيق منها إلى الطرح الموضوعي. فأي منطق يستقيم مع هذا؟ وأي قراءة منصفة يمكن أن تقبل به؟