أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن أحداث سبتة المحتلة الأخيرة. خلال زيارته إلى إسبانيا ولقائه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز والملك فيليبي السادس. نقاشا حول الرسائل التي حملها الخطاب الفرنسي. خصوصا بعد وصفه ما شهدته المدينة بـ”هجوم متعدد الأوجه”
وقال ماكرون إن إسبانيا كانت ضحية هجوم خلال موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز. داعيا الدول الأوروبية إلى مزيد من التضامن مع مدريد وتعزيز التنسيق لتفادي تكرار مثل هذه الأحداث.
وسائل التواصل الاجتماعي
وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع سانشيز، تحدث الرئيس الفرنسي عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تحريض آلاف الأشخاص. من بينهم قاصرون. على المخاطرة بحياتهم للوصول إلى الأراضي الإسبانية. كما أعرب عن أسفه لوفاة 141 شخصا خلال محاولتهم الوصول إلى إسبانيا.
وفي قراءة لهذه التصريحات، يرى الخبير في العلاقات الدولية شادي البَرَّاق عبد السلام. أنها “لا تخرج عن كونها خطابا موجها بالدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي الأوروبي والإسباني”. معتبرا أن باريس تحاول من خلالها “أوربة” ملف ذي طبيعة ثنائية وتاريخية.
وأوضح البَرَّاق، في تصريح لجريدة “سفيركم”، أن “المغرب ليس، ولم يكن يوما، حارسا للحدود الأوروبية”. معتبرا أن الخطاب الفرنسي ينبغي قراءته من خلال أربع زوايا أساسية.
هجوم متعدد الأبعاد
ويرى الخبير في العلاقت الدولية أن الزاوية الأولى ترتبط بالسياق السياسي الأوروبي. موضحا أن استخدام مصطلحات من قبيل “الهجوم متعدد الأبعاد” يستهدف، في تقديره، الرأي العام الأوروبي والإسباني. الذي يعيش تحت تأثير صعود اليمين والحساسية المرتفعة تجاه قضايا الهجرة.
وقال البَرَّاق إن الخطاب “لا يهدف إلى تقديم حلول عملية بقدر ما يسعى إلى حشد الدعم السياسي الداخلي. وتغطية الانقسامات العميقة التي تعصف بالاتحاد الأوروبي وفشله في صياغة سياسة موحدة ومنسجمة للهجرة”.
أما الزاوية الثانية، فتتعلق بصورة المغرب في المقاربة الأوروبية لملف الهجرة. حيث يرفض البراق اختزال دور المملكة في وظيفة “حارس الحدود” لصالح الضفة الشمالية للمتوسط.
أعباء باهظة
ويشرح أن المغرب “يتعامل مع قضايا الهجرة بمنطق الدولة ذات السيادة والشريك الاستراتيجي والمسؤول الذي يتحمل أعباء أمنية وإنسانية واجتماعية باهظة”. مؤكدا أن هذا الدور يقوم على “أرضية الالتزام المشترك”، وليس على تنفيذ إملاءات العواصم الأوروبية.
وأضاف البَرَّاق أن المقاربة المغربية تنطلق من كون المملكة “دولة ذات سيادة. تتحمل مسؤولياتها الإقليمية والدولية بناء على شراكة استراتيجية متكافئة تضمن المصالح المشتركة”. وليست، وفق تعبيره، “مقاولة أمنية تؤدي خدمات الحراسة لحساب عواصم أوروبية”.
وتتصل الزاوية الثالثة بمحاولات باريس ومدريد، بحسب البَرَّاق. “أوربة” ملف سبتة من خلال تقديمها باعتبارها جزءا من الحدود الأوروبية المشتركة.
ويرى البَرَّاق أن تكرار هذه المقولة “لن يغير من الواقع التاريخي والقانوني شيئا”، معتبرا أن سبتة ومليلية “تظلان. في الوجدان والسيادة المغربية، ثغرين محتلين من طرف الاستعمار الإسباني”.
تناقض الخطاب
ووفق البَرَّاق، فإن الاستناد إلى المظلة الأمنية للاتحاد الأوروبي. “لن يمنح مدريد مشروعية الهروب من حتمية الحوار المسؤول والاعتراف بالحقوق التاريخية للمغرب”.
وفي المقابل، توقف البَرَّاق عند ما يعتبره تناقضا في الخطاب الفرنسي الإسباني. إذ يرى أن لغة سياسية حادة تستخدم أمام الرأي العام، بينما يستمر التنسيق العملي مع المغرب في ملف الهجرة.
وأشار البَرَّاق في هذا السياق إلى أن ماكرون نفسه أشاد خلال زيارته لإسبانيا بالجهود المبذولة بالتنسيق مع السلطات المغربية. لإعادة المهاجرين الموجودين حاليا في سبتة إلى بلدانهم الأصلية. معتبرا أن هذا التعاون يسير بشكل جيد وداعيا إلى مواصلته وتعزيزه.
واعتبر البَرَّاق أن هذا الاعتراف يؤكد، من وجهة نظره، أهمية الشراكة مع الرباط. قائلا إن “استقرار المنطقة وأمن الحدود الأوروبية نفسها يظلان رهينين بمدى جدية الشراكة مع الرباط”. معتبرا أن ذلك “يسقط أي جدوى لسياسة المزايدات الدبلوماسية العقيمة”.
ميثاق الهجرة واللجوء
وتأتي تصريحات ماكرون في وقت دعت فيه باريس إلى تعزيز التنسيق الأوروبي في القضايا الأمنية وتفعيل ميثاق الهجرة واللجوء. بما يشمل مراقبة الحدود الخارجية للاتحاد وتنظيم إجراءات إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية.
وبذلك، تكشف تصريحات الرئيس الفرنسي عن تداخل بين البعد الأوروبي لأزمة الهجرة. والعلاقات الثنائية مع المغرب، وحساسية ملف سبتة. في وقت يستمر فيه التنسيق العملي بين مدريد والرباط بشأن تدبير تداعيات الأزمة.


