رغم تأكيده المستمر، سواء ضمن تصريحات رئيسه أو مكتبه السياسي أو مجلسه الوطني، على أنه مستعد للمشاركة في الحكومة المقبلة، وجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه في وضع “لا يحسد عليه”، بعد أن أصبح تواجده في أي تشكيلة حكومية مقبلة “مرفوضا بشكل كبير” حتى من حلفائه في الحكومة التي أشرفت ولايتها على النهاية.
وكان حزب التجمع الوطني للأحرار قد أكد، في أعقاب اجتماع مجلسه الوطني، السبت الماضي، استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة. وفوض رئيسه محمد شوكي تدبير المفاوضات بشأن هذه المشاركة.
وفي اليوم نفسه، أكدت أصوات داخل المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة عدم رغبتها في أي تحالف مع حزب “الحمامة”. حيث اهتزت القاعة بالتصفيق بعد أن عبر عضو المكتب السياسي للحزب هشام المهاجري عن موقفه الرافض لتواجد “رفاق عزيز أخنوش” في الحكومة المكلفة بتشكيلها منسقة القيادة الجماعية لحزب “الجرار” فاطمة الزهراء المنصوري.
وفي قصر المؤتمرات “الولجة” بسلا، وخلال المجلس الوطني لحزب الاستقلال. اهتزت القاعة بالتصفيق بعد أن أعلن الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة أن “البام” قرر استبعاد “الأحرار” من الحكومة المقبلة. قبل أن يتراجع عن هذا التصريح لاحقا بحجة أن “المعطيات التي وصلته لم تكن صحيحة”.
ومن خلال تتبع تعليقات أغلب المتتبعين والمحللين السياسيين. فإن هناك “توجها عاما” في الشارع المغربي يؤكد على “تحميل الأحرار الحصيلة السلبية للحكومة” التي قادها زعيمه “المتنحي” عزيز أخنوش. رغم أن حزبه لم يفقد موقعه ضمن “الثلاثة الكبار”، بالعودة إلى نتائج انتخابات 23 شتنبر الماضي.
ويطرح هذا الوضع سؤالا حول الأسباب التي تدفع حليفيه السابقين، الأصالة والمعاصرة والاستقلال، إلى محاولة بناء مسافة سياسية مع حزب شاركهما تدبير الولاية الحكومية السابقة. وكانا دائما يؤكدان خلال خمس سنوات كاملة أن مكونات الحكومة “تشتغل في انسجام”.
وفي قراءته لهذا الوضع، يرى الخبير السياسي وأستاذ القانون الدستوري، رشيد لزرق، أن الأمر يرتبط بمحاولة إعادة ترتيب المواقع داخل المشهد الحزبي. موضحا أن “البديل لا يبنى فقط عبر تقديم برنامج جديد. بل يحتاج أيضا إلى إنتاج مسافة واضحة مع التجربة السابقة وتحديد طرف يتحمل كلفتها السياسية”.
وأضاف لزرق، ضمن تصريح لجريدة “سفيركم”، أن الاستقلال والأصالة والمعاصرة “يسعيان إلى تركيز المسؤولية الأساسية عن إخفاقات المرحلة الماضية على الحزب الذي كان يقود الحكومة”. وهو ما يسمح لهما “بإعادة تقديم نفسيهما كجزء من البديل، رغم مشاركتهما السابقة في الأغلبية”.
غير أن هذا التموضع لا يلغي، وفق لزرق، المسؤولية المشتركة عن المرحلة الماضية. إذ يؤكد أن “المسؤولية السياسية تظل، في الواقع، موزعة بين مختلف مكونات التحالف الحكومي. وإن بدرجات متفاوتة، لأن الشركاء لم يكونوا مجرد داعمين من الخارج، بل شاركوا في القرار والتدبير”.
وبذلك، فإن تحميل “الأحرار” الجزء الأكبر من الكلفة السياسية للحصيلة السابقة يمكن قراءته، حسب المتحدث ذاته، باعتباره “عملية لإعادة بناء المواقع والشرعيات داخل الحقل الحزبي. أكثر من كونه نفيا للمسؤولية المشتركة”.
وجوابا على سؤال متعلق برغبة بعض الفرقاء السياسيين في دفع التجمع الوطني للأحرار من أجل التموضع في المعارضة. يرى لزرق أن ذلك يضع الحزب أمام مرحلة سياسية مختلفة، لن يكون فيها التحدي مقتصرا على فقدان موقعه داخل الحكومة، وإنما على اختبار قدرته على المحافظة على حضوره السياسي خارج دوائر السلطة.
واعتبر لزرق أن المعارضة “ستكشف مدى قدرة الحزب على الاستمرار كقوة سياسية مستقلة عن موارد السلطة وعن جاذبية الموقع الحكومي”. مشيرا في المقابل إلى أنها قد تمنحه فرصة لإعادة بناء صورته وخطابه وعلاقته بالناخبين.
وشدد لزرق على أن أثر هذا التحول سيظهر بشكل أكبر خلال الانتخابات الجماعية المقبلة. والمرتقب تنظيمها في شتنبر 2027. التي ستشكل محطة لاختبار قدرة الحزب على الحفاظ على منتخبيه ونخبه المحلية.
واعتبر لزرق أن هذه الانتخابات ستكون مؤشرا على قوة التجمع الوطني للأحرار التنظيمية والاجتماعية. موضحا أن “انتقال جزء من هذه النخب نحو أحزاب الأغلبية. فسيعني أن جزءا من قوته السابقة كان مرتبطا بالموقع داخل السلطة أكثر من ارتباطه بترسخ حزبي مستقل”.
وشدد لزرق على أن هذه الانتخابات “لن تختبر فقط قدرة الأحرار على تحمل كلفة الخروج من الحكومة”/ وإنما ستبين أيضا “مدى نجاح أحزاب الأغلبية الجديدة في تحويل خطاب القطيعة مع المرحلة السابقة إلى رصيد انتخابي فعلي”. وما إذا كان الناخب سيحمل الحزب القائد وحده مسؤولية الحصيلة السابقة. أم سيعيد توزيع المسؤولية على مختلف الشركاء.


