اعتبر أحمد بوز، المحلل السياسي والصحافي السابق، أن التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر 2026 حول قضية الصحراء المغربية لا تعني نهاية النزاع، بقدر ما تشير على انتهاء مرحلة من مراحل تدبيره، والدخول في مرحلة جديدة تتعلق بإعادة تشكيل مرجعيات التسوية وشروطها، في ظل التحولات التي عرفها الموقف الدولي من المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وأوضح بوز، خلال مروره على بودكاست “100 في المائة سياسة”، الذي تبثه قناة “سفيركم” على منصة يوتيوب، أن ما حدث داخل مجلس الأمن كشف عن انتقال الخلاف حول الصحراء من مجرد التباين حول طبيعة الحل السياسي إلى خلاف أعمق حول الجهة التي تملك التأثير في صياغة المرجعية الدولية للتسوية، والدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة.
وفي قراءته للخلفيات التي قادت إلى تطورات 30 أكتوبر 2026، توقف بوز عند أربعة معطيات رئيسية، أولها التحول التدريجي في طبيعة المواقف الدولية من قضية الصحراء، مشيرا إلى أن الأمر لم يعد مرتبطا فقط بارتفاع عدد الدول الداعمة للمغرب، وإنما بانتقال عدد من المواقف من الحياد التقليدي والدعوة إلى حل سياسي متوافق عليه، إلى إعلان دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا أو واقعيا أو ذا مصداقية لتسوية النزاع.
وفي هذا السياق، ميز المحلل السياسي بين ثلاثة مستويات من الدعم الدولي للمغرب، تتمثل في الدول التي تعترف صراحة بالسيادة المغربية على الصحراء، والدول التي تدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ثم الدول التي تعتبر هذه المبادرة أساسا مهما للمفاوضات، معتبرا أن التمييز بين هذه المستويات ضروري لفهم طبيعة التحولات التي عرفتها القضية.
وأضاف أن قضية الصحراء لم تعد تقرأ فقط باعتبارها نزاعا إقليميا بين المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو، بل أصبحت مرتبطة باعتبارات استراتيجية أوسع، تشمل استقرار منطقة الساحل والصحراء، وأمن المحيط الأطلسي والواجهة الإفريقية، ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، فضلا عن المصالح الاقتصادية والاستثمارية والتنافس الدولي على النفوذ في شمال إفريقيا.
كما سجل بوز تراجع قابلية الطرح الانفصالي لاستقطاب دعم دولي جديد، في مقابل اتساع دائرة الدول التي تسحب اعترافها بما يسمى الجمهورية العربية الصحراوية أو تعلقه، وتزايد المواقف المؤيدة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
واعتبر أن ظهور الولايات المتحدة الأمريكية كفاعلا مركزيا في إعادة توجيه مسار التسوية شكل معطى رابعا في هذه التحولات، خصوصا أن واشنطن لم تكتف بالاعتراف بمغربية الصحراء سنة 2020، بل سعت إلى توظيف موقفها داخل مجلس الأمن من خلال مشروع قرار يهدف إلى جعل الحكم الذاتي محور العملية السياسية.
القرار الأممي والمبادرة المغربية.. من الدعم السياسي إلى مرجعية التفاوض
وفي سياق تفسيره للتطورات الأخيرة، توقف بوز عند القرار الأممي السابق، معتبرا أنه شكل محطة متقدمة في مسار إدماج المبادرة المغربية للحكم الذاتي ضمن المرجعية الأممية للتسوية، بالنظر إلى الفرق بين إعلان دولة بشكل منفرد دعمها للمبادرة وبين حضورها في قرار صادر عن مجلس الأمن باعتبارها أساسا للمفاوضات.
وأوضح أن هذا التطور ساهم في تعزيز موقع المبادرة المغربية داخل العملية السياسية، إذ لم تعد مجرد مقترح مغربي مطروح على طاولة التفاوض، بل أصبحت تحظى بموقع متقدم داخل المرجعية الدولية التي تتحرك في إطارها الأمم المتحدة للبحث عن تسوية.
غير أن بوز شدد على أن تكريس الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات لا يعني أن مجلس الأمن حسم مسبقا جميع تفاصيل التسوية، أو أقر الصيغة النهائية للحكم الذاتي، كما لا يعني انتهاء الخلاف بشأن طبيعة هذه الصيغة واختصاصاتها وضماناتها.
وسجل أن التحول في المرجعية الدولية أدى أيضا إلى إعادة توزيع أعباء التفاوض، بحيث أصبح مطلوبا من الأطراف الأخرى تقديم تصورات عملية قابلة للنقاش، بدلا من الاكتفاء برفض المقترح المغربي، مع التأكيد على أن هذا التحول لا يعني قبول الجزائر والبوليساريو بهذه المرجعية.
وربط المتحدث هذه التطورات بالدينامية الدبلوماسية المغربية، التي قال إنها لم تعد تقتصر على توسيع دائرة الدعم الجغرافي، بل امتدت إلى تنويع أشكال هذا الدعم، من خلال فتح قنصليات في مدن جنوب المملكة، وإعلان تأييد الحكم الذاتي، والاعتراف بالسيادة المغربية، فضلا عن محاولة نقل المواقف الثنائية إلى مستوى التأثير في المؤسسات الدولية.
المشروع الأمريكي.. محاولة لإعادة هندسة الإطار الأممي
وبخصوص المشروع الأمريكي الذي عرض على مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر، اعتبر بوز أنه شكل مؤشرا على انتقال واشنطن من دعم المبادرة المغربية إلى محاولة جعلها أساسا مركزيا وحصريا للمفاوضات، بما يضيق مساحة المقاربات الأخرى المطروحة حول النزاع.
وأوضح أن أهمية المشروع لم تكن مرتبطة فقط بتجديد ولاية بعثة المينورسو، وإنما بما تضمنه من توجه لإعادة النظر في طبيعة البعثة ومهامها، والانتقال من وظيفتها المرتبطة بالاستفتاء إلى دور أممي مختلف يواكب العملية السياسية.
وأشار إلى أن النقاش شمل أيضا مسألة تسمية البعثة، باعتبار أن اسمها الحالي، أي بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، يرتبط بالمهمة التي أنشئت من أجلها سنة 1991، والمتمثلة في التحضير للاستفتاء ومراقبة وقف إطلاق النار.
وبالتالي، فإن اقتراح تغيير التسمية لم يكن، بحسب بوز، مجرد تعديل لغوي، وإنما عكس توجها نحو الابتعاد عن المرجعية المرتبطة بالاستفتاء وتقديم البعثة باعتبارها حضورا أمميا بولاية مختلفة.
كما أشار إلى أن المشروع تطرق إلى مسألة إحصاء اللاجئين والأوضاع التي يعيشونها في مخيمات تندوف، معتبرا أن مجموع هذه العناصر جعل المشروع الأمريكي يتجاوز الطابع التقني لتجديد الولاية إلى محاولة إعادة تشكيل الإطار الأممي الذي يدبر النزاع.
الفيتو الروسي.. رفض احتكار واشنطن لصياغة التسوية
وفي تفسيره لاستخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، اعتبر بوز أن الأمر لا يمكن اختزاله في مجرد موقف معارض للمبادرة المغربية، بل ينبغي قراءته في ضوء حسابات موسكو الخاصة وتصورها لطبيعة التسوية ودور القوى الكبرى داخل مجلس الأمن.
وأوضح أن المشروع الأمريكي كان، من وجهة النظر الروسية، محاولة لإعادة هندسة الإطار الأممي للنزاع، من خلال جعل الحكم الذاتي المرجعية الأساسية والوحيدة تقريبا للمفاوضات، وإعادة النظر في وظيفة المينورسو وتسميتها، بما قد يؤدي إلى حسم طبيعة الحل مسبقا.
وأضاف أن روسيا شددت، من خلال موقفها داخل مجلس الأمن، على ضرورة الإبقاء على مبدأ تقرير المصير حاضرا في أي قرار أممي بشأن الصحراء، ورفضت الصياغات التي اعتبرتها استباقا لنتائج العملية السياسية.
وفي هذا الإطار، دعا بوز إلى التمييز بين مبدأ تقرير المصير باعتباره أحد مبادئ القانون الدولي، وبين توظيفه في سياق التنافس الدبلوماسي وحسابات المصالح الاستراتيجية للدول، مبرزا أن المغرب يقدم بدوره الحكم الذاتي باعتباره شكلا من أشكال ممارسة هذا المبدأ.
كما اعتبر أن الموقف الروسي يعكس تحفظ موسكو على أي صياغة يمكن أن يفهم منها حسم النزاع قبل التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المعنية، فضلا عن رفضها أن تتحول الرؤية الأمريكية إلى مرجعية أممية جديدة دون توافق داخل مجلس الأمن.
وفي المقابل، لم يستبعد بوز تأثير العلاقات الروسية الجزائرية في خلفيات الموقف، مشيرا إلى أن موسكو ترتبط بالجزائر بعلاقات سياسية وعسكرية واستراتيجية قوية، تعود جذورها إلى فترة الاتحاد السوفياتي واستمرت بعد تفككه.
وسجل أن المغرب يحتفظ بدوره بعلاقات جيدة مع روسيا، غير أن موقعه التاريخي ضمن المعسكر الغربي، وعلاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، يظلان من المعطيات التي ينبغي استحضارها عند قراءة حسابات موسكو.
وشدد المتحدث على ضرورة تجنب التفسير الاختزالي الذي يجعل الفيتو الروسي مجرد استجابة لطلب جزائري، معتبرا أن حسابات القوة والتنافس بين القوى الكبرى تظل عناصر أساسية لفهم هذا الموقف.
الموقف الصيني وغياب التوافق.. لماذا تعثر المشروعان؟
ولم يحصر بوز أسباب سقوط المشروع الأمريكي في الموقف الروسي وحده، بل توقف عند غياب التوافق داخل مجلس الأمن، خاصة الموقف الصيني الذي اعتبره معطى مهما في فهم ما جرى.
وأوضح أن الصين، رغم علاقاتها الجيدة بالمغرب وامتناعها عن التصويت على القرار الأممي السابق، أبدت تحفظات واضحة على المشروع الأمريكي، سواء من خلال موقفها من صياغة النص أو من طريقة تقديمه للتصويت.
وأشار إلى أن المندوب الصيني اعتبر أن صياغة المشروع غير متوازنة ولا تراعي حساسية المرحلة، كما شدد على أهمية الدور الذي اضطلعت به المينورسو في حفظ الاستقرار ومواكبة العملية السياسية، داعيا إلى المحافظة عليها وتمديد ولايتها بعيدا عن أي توظيف سياسي.
كما انتقدت بكين، وفق ما أورده بوز، استعجال الدولة حاملة القلم، أي الولايات المتحدة الأمريكية، في طرح المشروع للتصويت دون تحقيق توافق كاف بين أعضاء المجلس، معتبرة أن فرض توجهات لا تحظى بإجماع الأعضاء يضر بوحدة مجلس الأمن.
واعتبر بوز أن الموقف الصيني ساهم بدوره في إبراز حجم الانقسام داخل المجلس، إلى جانب الفيتو الروسي، وهو ما كشف محدودية قدرة واشنطن على تحويل موقفها السياسي إلى مرجعية أممية جديدة.
ولفت إلى أن تعثر المشروع الأمريكي لم يكن سوى نصف المشهد، إذ إن المشروع الروسي البديل، الذي كان يرمي إلى تمديد ولاية المينورسو لسنة إضافية، لم يتمكن بدوره من الحصول على التأييد المطلوب.وأضاف أن مجلس الأمن وجد نفسه أمام وضعية غير مسبوقة، بعدما نجحت روسيا في إسقاط المشروع الأمريكي دون أن تتمكن من تمرير مشروعها، فيما فشلت واشنطن في فرض تصورها، ولم يتمكن المجلس حتى من الاتفاق على استمرار الصيغة السابقة للبعثة.
وخلص المحلل السياسي إلى أن ما حدث يوم 30 أكتوبر 2026 أظهر أن أيا من القوتين لم تتمكن من فرض رؤيتها، وأن الخلاف لم يعد مقتصرا على مضمون الحل، بل امتد إلى مستقبل الحضور الأممي وطبيعة المرجعية التي ستؤطر التسوية.
بلاغ الديوان الملكي.. إعلان نهاية مرحلة وليس نهاية النزاع
وفي قراءته لبلاغ الديوان الملكي الصادر عقب اجتماع مجلس الأمن، اعتبر بوز أن مضمونه يحمل دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد الترحيب بعدم تجديد ولاية المينورسو.
وأوضح أن الحديث عن إغلاق فصل امتد لأزيد من 35 سنة يعكس، بحسب تقديره، توجها مغربيا يعتبر أن الصيغة التي حكمت تدبير النزاع منذ إنشاء البعثة سنة 1991 استنفدت أغراضها، ولم تعد ملائمة للتحولات التي عرفتها القضية.
وسجل أن البلاغ يعبر عن انتقال من منطق تدبير النزاع، القائم على التعامل مع الوضع القائم والمحافظة على آليات تمنع التصعيد، إلى محاولة تغيير محدداته السياسية والدبلوماسية، من خلال إعادة تشكيل البيئة التي استمر داخلها النزاع لعقود.
وأضاف أن المغرب يسعى إلى تجاوز التصورات التي حكمت المفاوضات خلال السنوات الماضية، وجعل الحكم الذاتي المرجعية الوحيدة لأي تسوية، إلى جانب إعادة النظر في أدوار الأطراف ومسؤولياتها، والانتقال نحو حل سياسي نهائي.
كما توقف بوز عند ما اعتبره تشكيكا في ضرورة استمرار بعض الآليات الأممية السابقة، من قبيل الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن والتقارير الأممية وإحاطات المبعوث الشخصي، في ظل التوجه نحو تغيير طريقة التعاطي مع الملف.
غير أنه طرح في المقابل سؤالا أساسيا يتعلق بمدى قدرة المغرب، باعتباره طرفا في النزاع، على تقرير استمرار هذه الآليات أو إلغائها بشكل منفرد، أم أن الأمر يظل مرتبطا باختصاصات الأمم المتحدة ومواقف الدول الأعضاء.
وفي المقابل، اعتبر أن تأكيد المغرب استمرار التزامه بوقف إطلاق النار يحمل دلالة مهمة، تتمثل في الفصل بين التحولات السياسية والدبلوماسية من جهة، والحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد الميداني من جهة أخرى.
عدم تجديد المينورسو لا يعني نهاية المسار الأممي
وفي تفكيكه للجدل المرتبط بمستقبل الأمم المتحدة في الصحراء، شدد بوز على ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: انتهاء ولاية المينورسو، وانتهاء المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ثم انتهاء النزاع نفسه.
وأوضح هنا أن عدم اعتماد قرار جديد لتمديد ولاية البعثة لا يعني بالضرورة خروج قضية الصحراء من جدول أعمال مجلس الأمن، ولا انتهاء اختصاص الأمم المتحدة في متابعة النزاع والبحث عن تسوية سياسية له.
وأشار إلى أن الملف لا يزال مطروحا أيضا أمام اللجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بقضايا تصفية الاستعمار، وهو ما يجعل مسألة إنهاء ارتباط القضية ببعض الهيئات الأممية رهينة تطورات ومواقف مؤسساتية أخرى.
وأضاف أن بلاغ الديوان الملكي تحدث عن اتخاذ خطوات مماثلة في المستقبل داخل هيئات أممية أخرى، معتبرا أن ما انتهى بشكل مؤكد هو استمرار المينورسو بالصيغة السابقة، وليس بالضرورة المسار السياسي الأممي برمته.
كما ميز بين الوظيفة الميدانية للبعثة والوساطة السياسية التي يضطلع بها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، موضحا أن استمرار الوساطة لا يتوقف بالضرورة على استمرار الحضور الميداني للمينورسو بالشكل نفسه.
وشدد في هذا السياق على أن تحويل الموقف المغربي إلى ترتيبات مؤسساتية جديدة يظل مرتبطا بمجلس الأمن وموازين القوى داخله، فضلا عن مواقف الأطراف المعنية والدول الداعمة.
المغرب والجزائر والبوليساريو.. تحديات المرحلة المقبلة
وعلى مستوى انعكاسات هذه التطورات على أطراف النزاع، اعتبر بوز أن المغرب يواجه تحديين أساسيين، أولهما دبلوماسي، يرتبط بالمحافظة على الدعم الدولي وتوسيعه وتحويله إلى توافق مؤثر داخل المؤسسات الأممية، وثانيهما سياسي وعملي، يتعلق بتدبير مرحلة ما بعد تقديم الحكم الذاتي باعتباره أساسا للتفاوض.
وبالنسبة إلى الجزائر، رأى أن فشل المشروع الأمريكي قد يمثل مكسبا دبلوماسيا مؤقتا بالنسبة إليها، لأنه حال دون اعتماد صيغة اعتبرتها منحازة للمبادرة المغربية، غير أن عدم تجديد ولاية المينورسو يضعها أمام ضرورة إعادة تقييم موقفها من المسار التفاوضي في ظل التحولات الدولية.
أما جبهة البوليساريو، فيرى بوز أن التطورات الأخيرة تضعها أمام تحديات سياسية وميدانية حقيقية، خصوصا في ظل تراجع قدرة الطرح الانفصالي على استقطاب دعم دولي جديد واتساع دائرة الدول المؤيدة للمبادرة المغربية.
ومع ذلك، استبعد المتحدث، أن تؤدي هذه التطورات بالضرورة إلى قبول الجبهة بمقترح الحكم الذاتي بشكل فوري، مشيرا إلى أن هامش تحركها أصبح محدودا، سواء على المستوى السياسي أو الميداني أو الاستراتيجي.
وعلى المستوى الدولي، اعتبر أن ما جرى يعكس استمرار التنافس بين القوى الكبرى، خصوصا الولايات المتحدة وروسيا، داخل مجلس الأمن، حيث حاولت واشنطن إعادة صياغة المرجعية الأممية، في حين استخدمت موسكو حق النقض لمنع ذلك، دون أن تتمكن بدورها من تمرير مشروعها البديل، بينما عكست مواقف الصين والدول الممتنعة غياب توافق دولي كاف بخصوص الصيغة الجديدة المطروحة.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل النزاع
وفي استشرافه لمآلات المرحلة المقبلة، طرح بوز ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها التوصل إلى تسوية سياسية جديدة تستثمر التحولات الدبلوماسية التي عرفتها القضية، وتجعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي نقطة ارتكاز أساسية للمفاوضات.
وأوضح أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب إعادة إطلاق الاتصالات بين الأطراف المعنية، وتقديم مزيد من التفاصيل بخصوص طبيعة الحكم الذاتي والاختصاصات التي يتضمنها، إلى جانب وضع ضمانات سياسية ومؤسساتية ودولية لمواكبة تنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
واعتبر أن هذا السيناريو هو الأكثر انسجاما مع رغبة المغرب في تحويل مكاسبه الدبلوماسية إلى تسوية سياسية نهائية، لكنه يحتاج إلى استعداد سياسي لا يقتصر على المغرب وحده، بل يشمل باقي الأطراف المعنية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار الجمود السياسي، من خلال بقاء الخلاف حول المرجعية الدولية للحل دون التوصل إلى صيغة جديدة تحظى بالتوافق، مع استمرار الاتصالات والوساطات دون نتائج حاسمة، وهو السيناريو الذي اعتبره الأقرب في ظل المعطيات الراهنة.
في حين يرتبط السيناريو الثالث باحتمال تصاعد التوتر الميداني، بما قد يعيد المنطقة إلى أجواء ما قبل اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 6 شتنبر عام 1991، خصوصا في ظل تراجع آليات المراقبة والتحقق وصعوبة احتواء الحوادث العسكرية.
غير أن بوز حذر من اعتبار غياب المينورسو سببا حتميا لاندلاع مواجهة عسكرية، مؤكدا أن هذا الاحتمال يظل مرتبطا بحسابات الأطراف ومدى توفر قنوات اتصال وضمانات دولية بديلة، مذكرا بالتزام المغرب بالحفاظ على السلام ووقف إطلاق النار.
من المكاسب الدبلوماسية إلى التسوية النهائية
وخلص المحلل السياسي أحمد بوز إلى أن ما حدث داخل مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026، أنهى مرحلة مؤسساتية من تدبير النزاع، لكنه لم ينه النزاع نفسه، كما أن عدم تجديد ولاية المينورسو لا يعني بالضرورة خروج القضية من المسار الأممي.
وتابع حديثه قائلا،إن المغرب حقق تقدما دبلوماسيا مهما، وأصبحت مبادرة الحكم الذاتي تحظى بموقع أقوى داخل النقاش الدولي، غير أن استمرار التباينات داخل مجلس الأمن كشف أن تحويل هذا التقدم إلى تسوية أممية نهائية لا يزال يواجه تحديات سياسية ومؤسساتية.
وشدد بوز على أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة المغرب على الانتقال من كسب المواقف الدبلوماسية إلى إنتاج حل سياسي، من خلال تقديم تصور أكثر تفصيلا ووضوحا حول الحكم الذاتي، وصياغة إطار تفاوضي قابل للتنفيذ، وتعزيز الضمانات الدولية الكفيلة بتأمين تسوية نهائية للنزاع في إطار السيادة المغربية.
خديجة اسويس


