اعتبر مصطفى الخلفي، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن ملف الصحراء المغربية دخل مرحلة جديدة تتسم بالانتقال من منطق تدبير النزاع إلى العمل على تغيير قواعده وتهيئة شروط تسويته النهائية. داعيا إلى مواصلة ما وصفه بـ”الصبر الاستراتيجي”، وتعزيز التعبئة السياسية والدبلوماسية والتنموية للدفاع عن الموقف المغربي.
وأوضح الخلفي، خلال مداخلة له ضمن أشغال الملتقى الوطني العشرين لشبيبة العدالة والتنمية، المنعقد بالمركز الوطني للتخييم ببوزنيقة. أن التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة تفرض قراءة متكاملة للمسار الذي اتخذه المغرب، سواء على المستوى الميداني أو الدبلوماسي أو في علاقته بالمنتظم الدولي.
وفي هذا السياق، توقف المتحدث عند محطات اعتبرها مفصلية في تدبير المغرب للقضية. من بينها تأمين معبر الكركرات في نونبر 2020، وما تلاه من تحولات في موازين التعاطي مع النزاع، إلى جانب اتساع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. معتبرا أن هذه التطورات ساهمت في نقل المبادرة المغربية إلى موقع أكثر تقدما في النقاش الدولي.
وشدد الخلفي على أن التحول لا يرتبط فقط بتزايد الاعترافات والمواقف الداعمة للمغرب. بل يتصل أيضا بتغير طبيعة النقاش الأممي بشأن الحل السياسي، وبروز مقاربة تركز على واقعية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية للتفاوض والتسوية. بدل الاستمرار في طرح صيغ يرى أنها تجاوزتها التطورات السياسية والدبلوماسية.
وأضاف القيادي الاسلامي أن المغرب، وفق هذا التقدير، لم يعد يكتفي بالتفاعل مع المبادرات المطروحة بشأن النزاع. وإنما أصبح يسعى إلى التأثير في قواعد النقاش وتوجيهه نحو حل سياسي يستند إلى السيادة المغربية. مبرزا أن المرحلة المقبلة ستتطلب اشتغالا دقيقا على التفاصيل المرتبطة بتنزيل الحكم الذاتي. وتوضيح طبيعة المؤسسات والصلاحيات والاختصاصات التي يمكن أن يتضمنها هذا التصور.
الحكم الذاتي والرهان الأممي
وفي حديثه عن مبادرة الحكم الذاتي، اعتبر الخلفي أن النقاش لم يعد مقتصرا على إعلان المواقف السياسية. بل انتقل إلى مستوى البحث في مضامين المبادرة وآليات تنزيلها، بما يشمل المؤسسات التمثيلية والتنفيذية والاختصاصات المحلية والموارد المالية. مع الحفاظ على الاختصاصات السيادية للدولة المغربية.
ورأى الناطق الرسمي باسم الحكومة الأسبق أن هذا المسار يفرض على المغرب مواصلة الاشتغال على المستوى الأممي. وعدم التعامل مع التطورات الأخيرة باعتبارها نهاية للمعركة الدبلوماسية. مشيرا إلى أن محطات النقاش داخل الأمم المتحدة، بما فيها اللجنة الرابعة، ستظل فضاء للترافع وتوضيح الموقف المغربي ومواجهة الأطروحات المناوئة له.
كما دعا الخلفي إلى عدم اختزال المعركة في الجانب الدبلوماسي وحده، مؤكدا أن نجاح المقاربة المغربية يقتضي مواكبتها بعمل سياسي ومؤسساتي ومجتمعي، وبحضور فاعل للأحزاب والبرلمان والمجتمع المدني والنخب الأكاديمية والإعلامية، من أجل توسيع دوائر التأييد للمبادرة المغربية.
ساكنة المخيمات والبعد الإنساني
وتوقف الخلفي عند الوضع الإنساني لسكان مخيمات تندوف، معتبرا أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تجعل من معالجة هذا الملف أولوية، من خلال العمل على إنهاء معاناة الساكنة وفتح آفاق العودة ولم الشمل. مع تحميل الأطراف المعنية مسؤولياتها في ضمان الحقوق الإنسانية للسكان.
وشدد المتحدث على ضرورة عدم إغفال البعد الإنساني في تدبير القضية، مبرزا أن أي تسوية سياسية ينبغي أن تضع مصلحة الساكنة في صلب اهتماماتها. وأن تتيح لها مستقبلا قائما على الاستقرار والكرامة والمشاركة في تدبير شؤونها.
التنمية والجهوية والتعبئة الوطنية
وعلى المستوى الداخلي، دعا الخلفي إلى ربط التطورات الدبلوماسية بتسريع التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز الجهوية المتقدمة وتقوية المؤسسات المنتخبة. بما يسمح بإنتاج نخب محلية قادرة على تدبير الشأن العام والدفاع عن الوحدة الترابية من موقع المسؤولية والمشاركة.
واعتبر القيادي في العدالة والتنمية، أن الرهان لا يقتصر على كسب المواقف الدولية. بل يشمل أيضا بناء نموذج تنموي ومؤسساتي يعزز الارتباط بالمؤسسات الوطنية. ويجعل من الأقاليم الجنوبية فضاء لتجسيد المشاركة السياسية والتنمية والعدالة المجالية.
وفي سياق حديثه عن البعد الإقليمي، دعا الخلفي إلى التمييز بين الخلاف السياسي مع النظام الجزائري والعلاقات بين الشعبين المغربي والجزائري. مؤكدا أهمية الإبقاء على اليد الممدودة للحوار، والانفتاح على الشباب والفاعلين المدنيين في البلدين، وعدم الانجرار وراء حملات الاستفزاز والكراهية المتداولة في الفضاء الرقمي.
وخلص الخلفي إلى أن المرحلة الراهنة تقتضي تعبئة وطنية تتجاوز المؤسسات الرسمية لتشمل الأحزاب السياسية والشباب والجامعات والإعلام والمجتمع المدني. معتبرا أن الدفاع عن القضية الوطنية مسؤولية جماعية، وأن التحولات التي يعرفها الملف تفرض الانتقال من الاكتفاء بتسجيل المكاسب إلى الاشتغال على تثبيتها وتحويلها إلى نتائج سياسية ومؤسساتية وتنموية.


