أكد الباحث في مجال الخوارزميات والتأثير على الرأي العام كمال كحلي أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات لحل المشكلات. بل تحولت إلى سلطة رقمية خفية تتحكم في انتباه المستخدمين. وتؤثر بشكل متزايد في سلوكهم ومنظومة القيم داخل المجتمعات. معتبرا أن فهم هذه التحولات أصبح ضرورة لفهم طبيعة التأثير الذي تمارسه المنصات الرقمية في العصر الحديث.
واستعرض كحلي خلال دورة تكوينية حول “تأثير خطاب شبكات التواصل الاجتماعي في منظومة القيم بالمغرب”. احتضنتها المدرسة العليا للأساتذة بالرباط. (استعرض) المسار التاريخي للخوارزميات، وانتقالها من أدوات رياضية إلى تقنيات تقود اليوم ما يعرف بـ”اقتصاد الانتباه”.
الانعكاسات على تصرفات الأفراد
واستهل الباحث مداخلته بالتأكيد على أن الخوارزميات والقيم يشتركان في سمة واحدة. تتمثل في كونهما عنصرين غير مرئيين، لا يظهران في حد ذاتهما. وإنما تتجلى آثارهما من خلال السلوك الإنساني والتفاعلات اليومية. فالقيم، حسب قوله، تنعكس في تصرفات الأفراد، بينما تتجسد الخوارزميات في طبيعة المحتوى الذي يصل إلى المستخدم والاختيارات التي توجهها المنصات الرقمية.
وأوضح أن الخوارزميات لم تنشأ بهدف التأثير في الرأي العام. وإنما ولدت أساسا لمعالجة الإشكالات التي تواجه المجتمعات. مستحضرا بداياتها مع العالم الخوارزمي، الذي ارتبط اسمه بتطوير أساليب حسابية استخدمت في حل مسائل عملية. من بينها تقسيم التركات والإرث خلال العصر العباسي.
وتابع كحلي أن مسار تطور الخوارزميات استمر عبر محطات علمية بارزة، من بينها اختراع باسكال لأول آلة حاسبة. قبل أن تطور لاحقا لإنجاز مختلف العمليات الحسابية. ثم توظيفها خلال الحرب العالمية الثانية، عندما نجح آلان تورينغ في فك شيفرة آلة “إنيغما” الألمانية. في تجربة أبرزت قدرة الخوارزميات على المساهمة في حل أزمات كبرى وتغيير مجرى الأحداث.
الذكاء الاصطناعي واتخاد القرار
وأشار إلى أن الخوارزميات دخلت لاحقا مرحلة جديدة ارتبطت بالتفاعل المباشر مع الإنسان. مستشهدا بانتصار الحاسوب على بطل العالم في الشطرنج. وهي محطة جسدت انتقال الذكاء الاصطناعي من تنفيذ الأوامر إلى التعلم واتخاذ القرار.
غير أن الباحث اعتبر أن التحول الأبرز وقع سنة 2017، عندما طورت شركة جوجل خوارزمية جديدة تقوم على إدارة انتباه المستخدم. واصفا هذه المرحلة بأنها نقطة الانطلاق الفعلية لما يعرف اليوم بـ”اقتصاد الانتباه”. حيث أصبحت المنصات الرقمية تتنافس على استقطاب المستخدمين وإبقائهم لأطول فترة ممكنة أمام الشاشات.
وأوضح أن الخوارزميات لم تعد تكتفي بترتيب المحتوى. بل أصبحت تختار ما يجب أن يراه المستخدم، ومتى يراه، وبأي ترتيب. وفق آليات تهدف إلى تعظيم التفاعل وتحقيق المكاسب الاقتصادية. وهو ما مهد الطريق لظهور تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق. وصولا إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يشكل اليوم إحدى أبرز محطات التطور التقني.
وفي معرض تحليله لهذه التحولات، أشار كحلي إلى وجود اتجاهين في تفسير أثر التكنولوجيا. الأول يركز على العوامل الاجتماعية، بينما يرى الثاني أن التكنولوجيا نفسها أصبحت القوة المحركة للتغيير المجتمعي. مستشهدا بالمفكر الكندي مارشال ماكلوهان، الذي صاغ مقولته الشهيرة “الوسيط هو الرسالة”. معتبرا أن تأثير الوسيط التقني قد يفوق في كثير من الأحيان تأثير المحتوى الذي ينقله.
إدارة الانتباه
كما استحضر الباحث أطروحات الكاتب نيكولاس كار، والتي تناول فيها الكيفية التي تؤدي بها التكنولوجيا الحديثة إلى استنزاف الانتباه وإعادة تشكيل أنماط التفكير. معتبرا أن هذه الرؤية أصبحت أكثر حضورا في ظل هيمنة المنصات الاجتماعية.
وشدد كحلي على أن الخوارزميات قطعت مسارا طويلا بدأ بحل المشكلات الرياضية والعلمية. قبل أن تتحول إلى أنظمة رقمية قادرة على إدارة الانتباه والتأثير في السلوك والوعي الجماعي. مشددا على أن السلطة الحقيقية للمنصات الاجتماعية اليوم لم تعد تكمن في المحتوى وحده. بل في الخوارزميات التي تحدد ما يراه المستخدم، وكيف يتفاعل معه، والمدة التي يقضيها أمام الشاشة.

