بقلم: عبد الحق غريب
في خضم النقاش الذي رافق مناقشة مشروع قانون مهنة المحاماة، وما أثاره من تفاعلات داخل الأوساط القانونية والأكاديمية، عادت إلى الواجهة مطالب أساتذة القانون بتمكينهم من مزاولة هذه المهنة، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لتخصصهم العلمي، ومطلبًا قديمًا ومتداولًا منذ سنوات.
وفي هذا السياق، وفي خطوة تعكس انتقال هذا النقاش من التداول النظري إلى التعبير الميداني، نظمت هذه الفئة من الأساتذة الباحثين، صباح يوم الأربعاء 6 ماي الجاري، وقفة احتجاجية أمام البرلمان.
غير أن ما يلفت الانتباه في هذه المحطة هو انتقال النقاش بسرعة البرق من فضاءات التواصل الاجتماعي والساحة الجامعية إلى فعل احتجاجي ميداني، في ظرف زمني قياسي.
كيف ذلك؟
فبعد إحالة مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب يوم 10 أبريل 2026، بدأ النقاش حول بعض المقتضيات المرتبطة بشروط الولوج إلى المهنة بين أساتذة القانون، قبل أن يعرف زخما وحماسا ودينامية لافتة، خاصة داخل مجموعات “واتساب” وفي الساحة الجامعية، تزامنًا مع استئناف مناقشته داخل اللجنة البرلمانية يوم 29 أبريل 2026.
تخيلوا… في سابقة تكاد تكون الأولى من نوعها في تاريخ البشرية، انتقل النقاش، خلال أسبوع واحد فقط، من التداول والتفاعل المكثف إلى تنظيم وقفة أمام البرلمان، مرورًا بإصدار بلاغ للإعلان عن مكان الوقفة وزمانها والتعبئة لها، وهو إنجاز تعبوي يكاد يؤهل أساتذة القانون لدخول “كتاب غينيس” للأرقام القياسية.
هذا التسارع يعكس، من جهة، قدرة خارقة على التعبئة والتنظيم حين يتعلق الأمر بمطالب مهنية مباشرة، لكنه يثير، من جهة أخرى، تساؤلات مشروعة حول منطق ترتيب الأولويات داخل الفعل الاحتجاجي لدى هذه الفئة.
وفي هذا الإطار، لا بد أن يستحضر المتتبع للشأن الجامعي محطات قريبة لم تحظ بالزخم نفسه ولا بالدينامية ذاتها، وعلى رأسها النقاش الذي رافق القانون 59.24، وما أثاره من تخوفات وتساؤلات حول مستقبل الجامعة واستقلاليتها ومكانة الأستاذ الباحث وكرامته.
وهنا يبرز السؤال الجوهري بإلحاح:
أين كان هذا الحضور وهذا الحماس؟ وأين كانت هذه الدينامية، وهذه القدرة الخارقة على التعبئة، عندما أُحيل القانون 59.24 على البرلمان، أو حين سارع رؤساء الجامعات إلى تمرير نظام “التوقيت الميسر”؟
ولماذا لم تظهر أشكال احتجاجية مماثلة أمام البرلمان أو غيره من الفضاءات المؤسساتية عند تفجر أخطر الملفات التي هزت صورة الجامعة، وكان أبطالها زملاء لهم في الشعبة نفسها، أي أساتذة القانون، مثل قضية “بيع الشهادات” بأكادير، أو ملف “الجنس مقابل النقط” بسطات، أو ابتزاز الطلبة عبر اقتناء الكتب في عدد من الجامعات، وغيرها من القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا حول واقع الحكامة والأخلاقيات داخل الجامعة؟
هذا السؤال لا ينتقص من الحق في الاحتجاج والمطالبة بالحقوق، بقدر ما يفتح نقاشًا أعمق حول ما إذا كانت معايير التعبئة تحركها طبيعة القضايا في بعدها العام، أم رهاناتها المباشرة والآنية.
في النهاية، يظل الدفاع عن الحقوق بكل الوسائل المشروعة أمرًا مشروعًا وضروريًا. وأؤكد، في هذا السياق، أنني كنت ولا أزال وسأظل دائمًا أعبر عن تضامني المطلق مع أي أستاذ أو مجموعة من الأساتذة في مختلف القضايا التي تهمهم… لكن ما يمنح هذا الدفاع قوته الرمزية هو ربطه بالقضايا الكبرى، من قبيل استقلالية الجامعة، ومجانية التعليم، وكرامة الأستاذ الباحث، لا الاكتفاء بتحركات موسمية مرتبطة بالمصالح المهنية.

