حذر تقرير حديث صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة. من اقتراب منظومة الحماية الاجتماعية والتقاعد بالمغرب من “سقف بنيوي حرج” ابتداء من سنة 2040. قد يؤدي إلى تباطؤ مكتسبات تقليص الفجوة الاجتماعية والتقاعدية بين النساء والرجال. ما لم يتم إحداث تحول عميق يربط بشكل متزامن بين إصلاحات سوق الشغل والحماية الاجتماعية.
التقرير، المعنون بـ “القطاع غير المهيكل، النوع الاجتماعي والتحول الديموغرافي: ديناميات التفاوتات التراكمية والانتقال بين الأجيال”. اعتمد على معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024. وخلص إلى أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بتعميم الحماية الاجتماعية، بل بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق شغل منظم ومستقر خلال العقد الحالي. باعتباره المحدد الأساسي لاستدامة أنظمة التقاعد مستقبلا.
وأبرزت نتائج المحاكاة الاستشرافية الممتدة بين 2020 و2070 أن ما وصفه التقرير بـ”التقارب التلقائي” في الحقوق التقاعدية بين الجنسين سيفقد زخمه تدريجيا ابتداء من سنة 2040. رغم التحسن النسبي المرتقب مقارنة بالوضع الحالي. ففي الوقت الذي لا تتجاوز فيه معاشات النساء حاليا 11.1 في المائة من متوسط معاشات الرجال. فإن هذا الفارق سيتوقف عند حدود تتراوح بين 40.3 و41.4 في المائة فقط بين 2045 و2070. في حال غياب تدخلات هيكلية منسقة.
وربط التقرير هذا “السقف البنيوي” بثلاثية معقدة تجمع بين الشيخوخة السكانية، وهيمنة الاقتصاد غير المهيكل، وضعف مشاركة النساء في سوق الشغل. فالمغرب يتجه، وفق المعطيات نفسها، نحو تحول ديموغرافي متسارع. إذ سترتفع نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من 9.4 في المائة سنة 2014 إلى 23.2 في المائة بحلول 2050. فيما ستتجاوز نسبة إعالة المسنين نظيرتها الخاصة بالأطفال. بما سيحول الاختلالات الحالية إلى ضغط مالي واجتماعي ثقيل على الدولة والأسر.
وفي المقابل، يواصل القطاع غير المهيكل استيعاب أكثر من ثلاثة أرباع التشغيل الوطني، عبر نحو مليوني وحدة إنتاجية. بينما لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي 19.1 في المائة، مقابل 68.6 في المائة لدى الرجال.
ويرى التقرير أن فجوة التقاعد لا تتشكل في نهاية الحياة المهنية. بل تبدأ منذ الولوج الأول إلى سوق الشغل. عبر مسار تراكمي يقوم على أربعة محددات أساسية: ضعف ولوج النساء إلى العمل، هشاشة التشغيل المأجور. محدودية الانخراط في الأنظمة المساهمة، ثم انخفاض الأجور المصرح بها التي تحتسب على أساسها الحقوق التقاعدية.
مفارقة السياسات المعزولة
ومن بين أبرز الخلاصات التي توقف عندها التقرير ما سماه بـ”مفارقة السياسات المعزولة”. محذرا من أن أي إصلاح جزئي قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فرفع مشاركة النساء في سوق الشغل دون تحفيز الاقتصاد المنظم، يؤدي، حسب التقرير، إلى توجيه ثلثي فرص الشغل الجديدة نحو القطاع غير المهيكل. مع تراجع معدل تنظيم تشغيل النساء بـ8.3 نقاط. وفي المقابل، فإن فرض التنظيم عبر العقوبات والآليات الزجرية فقط، قد يؤدي إلى انكماش النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة، خاصة لدى النساء.
كما كشفت السيناريوهات الاستشرافية عن “استقطاب تعليمي” حاد داخل الفئة النسائية نفسها؛ إذ تستفيد النساء الحاصلات على تعليم عال بشكل أكبر من الإصلاحات المندمجة، عبر انخفاض البطالة وتحسن الحقوق التقاعدية. بينما تواجه النساء غير المتعلمات أو ذوات التعليم المحدود ضغوطا مضاعفة، سواء من حيث البطالة أو هشاشة الحقوق الاجتماعية.
وخلص التقرير إلى أن نجاح ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أطلقه المغرب منذ سنة 2021. يظل رهينا بقدرة السياسات العمومية على تحقيق تزامن فعلي بين خلق فرص الشغل المنظمة، ورفع الإنتاجية، وتأمين مسارات مساهمة مستقرة للعمال ذوي الدخل غير المنتظم. محذرا من أن التسجيل الشكلي وغير المنتظم في أنظمة الحماية الاجتماعية قد لا يتحول مستقبلا إلى حقوق تقاعدية فعلية.
وأكدت المندوبية، في خلاصة تقريرها، أن الأجيال النشيطة الحالية تمثل “نقطة الارتكاز المركزية” التي ستحدد مستقبل التضامن بين الأجيال واستدامة أنظمة التقاعد خلال العقود المقبلة. معتبرة أن الفترة الممتدة بين 2025 و2035 ستكون حاسمة لتفادي الوصول إلى سقف الاختلالات البنيوية بحلول 2040.

