يواجه تنزيل أوراش الحماية الاجتماعية بالمغرب، بما تشمله من تعميم التغطية الإجبارية عن المرض وتفعيل الدعم الاجتماعي المباشر، جملة من التحديات والإكراهات.
وتتمحور هذه الإكراهات وِفقا لورقة بحثية لرئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، بشكل أساسي حول التمويل والاستدامة المالية، وضعط التكاليف على ميزانية الدولة وإشكالية الاقتصاد غير المهيكل.
“الغنبوري” أورد بأن الاقتصاد غير المهيكل يشكل أحد أبرز التحديات التي تعيق تحقيق الاستدامة المالية لأوراش الحماية الاجتماعية في المغرب، موردا أن هذا القطاع الذي تتجاوز قيمته 30 في المائة، من الناتج الداخلي الخام، ويضم أكثر من 60 في المائة من مجموع العاملين في البلاد، يشكل عقبة هيكلية أمام تعبئة الموارد المالية اللازمة لضمان استمرارية هذه السياسات الاجتماعية.
وتابع أن هذه الإكراهات تتمثل في صعوبة إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، مرجعا السبب إلى افتقار هؤلاء العاملين المتمثلين في الحرفيين والباعة المتجولين والعمال الموسميين، إلى عقود عمل رسمية أو دخل ثابت، الشيء الذي يجعل فرض الاشتراكات الاجتماعية عليهم أمرا شبه مستحيل.
ويقلص غياب “الهيكلة” عن هذه الأنشطة الاقتصادية، قاعدة المساهمين في النظام، وبالتالي يحد من المداخل المالية المتوقعة لتمويل الخدمات الصحية والدعم الاجتماعي، بحسب بحث رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي الذي توصل موقع “سفيركم” بنسخة منه.
وأوضح رئيس المركز، أن التمويل والاستدامة المالية هي الأخرى، إحدى أكبر التحديات التي تواجه أوراش الحماية الاجتماعية في المغرب، موَضِّحا أن تحقيق الأهداف الطموحة لهذه الأوراش، يتطلب توفير موارد مالية تتجاوز 53 مليار درهم سنويا وبشكل مستدام، لتغطية النفقات المتنامية مع ضمان التوازن المالي بين المداخل والمصروفات، وهو ما يبدو صعب المنال في ظل المعطيات الحالية.
وأشار إلى أن نظام التغطية الإجبارية عن المرض سجل سنة 2023، معدل (نفقات/مداخل) بلغ 154 في المائة، مما يعني أن النفقات تجاوزت المداخل بشكل كبير، محققة عجزا في التحصيل وصل إلى 450 مليون درهم، وهو ما يعكس اختلالا واضحا في التوازن المالي، حيث تتجاوز تكاليف تقديم الخدمات الصحية وتسيير النظام الموارد المتاحة.
تحليل تطور المداخل والنفقات خلال النصف الأول من سنة 2024، في البحث، أظهر أيضا مؤشرات مقلقة تشير إلى استمرار هذا الاتجاه، إذ بلغ معدل (نفقات/مداخل) حتى نهاية شتنبر 2024 نسبة 117 في المائة، و هو ما يشكل دليلا على أن النظام لا يزال غير قادر على تحقيق التوازن المالي المنشود، مما ينذر بعجز مالي آخر بنهاية السنة إذا لم تتخذ تدابير تصحيحية عاجلة، وِفقا لـ”الغنبوري”.
وأرجع رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، تفسير هذا الاختلال المالي في منظومة الحماية الاجتماعية إلى عدة عوامل، أبرزها ضعف انخراط الفئات القادرة على المساهمة المالية في النظام.
فعلى سبيل المثال، يضيف البحث، لم يتجاوز عدد العمال غير الأجراء المسجلين في النظام 1.68 مليون شخص، وهو ما يمثل 56 في المائة فقط من إجمالي الفئات المستهدفة المقدر عددها بـ 3.5 مليون شخص، في حين لم تتعد نسبة التحصيل الفعلي للمساهمات 37 في المائة.
ويكشف هذا التفاوت، حسب الغنبوري، عن فجوة كبيرة بين الإمكانيات المتاحة والمساهمات المجمعة، خاصة وأن أكثر من مليون شخص من العاملين في القطاعين العام والخاص خارج دائرة المساهمة في هذه المنظومة، نظرا لاستفادتهم من التغطية الصحية من خلال عقود مع شركات التأمين أو التعاضديات الخاصة.
وأضاف أن هذا الوضع يعكس تحديا مزدوجا يتمثل في محدودية الالتحاق بالنظام من جهة، وتشتت مصادر التغطية الصحية من جهة أخرى، مما يفاقم الضغط على الموارد المتاحة ويعيق تحقيق الاستدامة المالية.
ويرى “الغنبوري” أن التكاليف المرتبطة بأوراش الحماية الاجتماعية في المغرب، خاصة في مجالي الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الإجبارية عن المرض، تشكل عبئا متزايدا على ميزانية الدولة، مثيرا تساؤلات حول قدرة المالية العامة على تحمل هذه الالتزامات على المدى الطويل.
وأوضح أنه، ومنذ انطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، بلغت مساهمة الدولة في هذا الإطار 18.54 مليار درهم، وفي الوقت ذاته ساهمت الدولة بمبلغ 15.51 مليار درهم لدعم نظام التغطية الإجبارية عن المرض.
وتظهر هذه الأرقام، التي تجاوزت مجتمعة 34 مليار درهم، وِفقا لرئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماع، (تظهر) حجم الالتزام المالي الذي تتحمله الدولة لتفعيل هذه السياسات الاجتماعية الطموحة.