حاوره: عمر لبشيريت
يرى الدكتور أحمد بوز، أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق السويسي بالرباط، أن السؤال الجوهري اليوم يتعلق بما إذا كانت الحكومة تؤمن بأن الصحافة شريك في التنمية والديمقراطية، أم أنها ما تزال تنظر إليها كجهاز ينبغي التحكم فيه وتوظيفه؟
ويقول أحمد بوز، إنه بالرغم من حرص المشروع، من الناحية الشكلية على تأكيد مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، إلا أن بعض مقتضياته تكشف استمرار تأثير غير مباشر للحكومة.
-كيف تقرأ مشروع القانون حول المجلس الوطني للصحافة؟
أعتقد أننا أمام مشروع قانون يعطي الانطباع بكونه يسعى إلى إعادة تأطير وتنظيم المهنة ضمن رؤية قانونية جديدة، لكنه يثير، في المقابل، عدة ملاحظات جوهرية تتعلق بفلسفته العامة، وتوازناته التمثيلية، وموقعه داخل المنظومة المؤسساتية.
لا شك أن المشروع يتضمن مقتضيات إيجابية، خصوصا على مستوى تحسين نظام ضبط وتحيين سجلات الصحافيين والناشرين، وهو ما يشكل خطوة مهمة نحو تنظيم المشهد المهني على أسس أكثر دقة وشفافية. كما يحسب له تنصيصه الصريح على تعزيز التمثيلية النسائية داخل هياكل المجلس، انسجاما مع مبدأ المناصفة الذي يؤطره الفصل 19 من الدستور، إلى جانب تضمينه لضمانات إجرائية متعلقة بحق الطعن وتحسين مساطر الانتخاب والتأهيل.
غير أن هذه المكاسب، رغم أهميتها، لا تخفي عددا من الملاحظات النقدية بشأن مستجدات أخرى جاء بها المشروع. فهذه المستجدات، وإن بدت ظاهريا ذات نفس إصلاحي، فإنها تبقي المجلس رهينا لإشكاليات التجربة السابقة، من بينها ضبابية شروط الترشح والتمثيل، وغياب آليات دقيقة لضمان استقلالية المجلس عن السلطة التنفيذية والإدارية، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة المشروع على تحقيق ما يرفعه من شعارات “الاستمرارية” و”ترسيخ التنظيم الذاتي”.
-أي أننا أمام تعديلات تقنية لا غير؟
بمعنى آخر، فإن الإصلاحات الجزئية، على أهميتها التقنية، لم تلامس جوهر الأزمة التي عرفها المجلس، والمتمثلة في اختلال التوازن بين منطق الاستقلال الذاتي ومنطق الوصاية الضمنية، وبين التمثيلية المهنية الواسعة والتعيينات شبه المغلقة. وهذا ما يهدد بإعادة إنتاج الأسباب ذاتها التي أدت في الأصل إلى تشكيل لجنة مؤقتة خارج المسار الانتخابي.
-كيف ذلك؟
يمكن القول إن المشروع، رغم تقدمه الشكلي، ما يزال في حاجة إلى تعديل جوهري في العمق حتى يستجيب لمتطلبات الاستقلالية، والتعددية، والتمثيلية المنصفة، وضمان الاستمرارية المؤسساتية. ومن هنا تبرز أهمية النقاش العمومي ليس فقط لتجويد النص، بل لتثبيت تصور ديمقراطي لتنظيم المهنة الصحافية في المغرب.
-يبدو أن النقاش حول استقلالية المجلس عن السلطة التنفيذية يشكل هاجسا رئيسيا، كيف تتجلى هذه الإشكالية من خلال المشروع المعروض؟
نعم، هذا صحيح. فرغم حرص المشروع من الناحية الشكلية على تأكيد مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، إلا أن بعض مقتضياته تكشف استمرار تأثير غير مباشر للحكومة أو على الأصح القطاع الحكومي الوصي على قطاع الصحافة والإعلام. يمكن تلمس ذلك أساسا في طبيعة تركيبة المجلس، ومعايير التمثيل، وبعض شروط الترشح التي تظل غير دقيقة، وتبقي الباب مفتوحا أمام تدخلات خارجية، سواء من خلال التحكم في الكتل الانتخابية، أو عبر معايير إقصائية لا تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف مكونات الجسم المهني. لذلك، فإن المشروع بحاجة إلى مزيد من تعزيز ضمانات الاستقلالية.
-إلى أي حد يستجيب المشروع لمبدأ التعددية والإنصاف في التمثيلية؟
المشروع، في صيغته الحالية، يظهر اختلالا واضحا في تمثيل مكونات الحقل الإعلامي، وخاصة على مستوى فئة الناشرين، حيث يمنح الامتياز للمؤسسات الكبرى ذات الإمكانيات المادية والبشرية الضخمة، عبر اعتماد معايير كمية مثل عدد المستخدمين أو رقم المعاملات.
هذا التوجه يقصي المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي تمثل في الواقع القاعدة العريضة للمشهد الإعلامي الوطني، خصوصا في الجهات والمناطق البعيدة عن المركز، كما يهمش الصحافة الجهوية والصحافيين المستقلين.
الحل الأمثل، في نظري، يكمن في اعتماد نظام التمثيل النسبي أو آليات أخرى توازن بين الحجم المالي والتأثير المجتمعي والانتشار، لضمان تمثيلية أكثر عدالة وإنصافا تعكس تعددية الجسم المهني الحقيقي بدل تكريسه وفق منطق القوة الاقتصادية، وتزاوج بالتالي بين معيار الحجم الاقتصادي ثم الحاجة إلى التعددية والتنوع، رغم ما يمكن تسجيله على هذه التعدديات من ملاحظات.
-هل يتضمن المشروع ضمانات واضحة لاستمرارية المجلس وتفادي الفراغ المؤسساتي؟
بهدف تجاوز تجربة الفراغ التي عرفها المجلس سابقا، حاول المشروع هذه المرة تقنين فكرة اللجنة المؤقتة، التي كانت قد أثارت نقاشا واسعا لحظة تبنيها. إلا أن الصيغة المقترحة لتشكيل هذه اللجنة تطرح إشكالات حقيقية على مستوى الشرعية التمثيلية والتوازن المؤسساتي، مما يثير مخاوف من إعادة إنتاج منطق التعيين بدل التمثيل.
كنت أفضل أن يتم النص على استمرار المجلس القائم لمدة مؤقتة في حال تعذر تجديده، لأن هذه الصيغة تبدوأكثر ديمقراطية ومشروعية من تشكيل لجنة معينة، طالما أن استمرار هيئة منتخبة يبقى أفضل من إسناد الأمر لجهات غير منتخبة مهما كانت نواياها. لكن إذا كان إقرار اللجنة المؤقتة مسألة لا بد منها فيجب أن يضبط قانونيا بشكل صارم، حتى لا تتحول إلى بديل دائم للهيئات المنتخبة، أو تستعمل ذريعة لتفادي استحقاقات انتخابية قد لا تكون ملائمة لبعض الأطراف.
-قضية العقوبات التأديبية تعد هي الأخرى في قلب النقاش حول المشروع، كيف ترى النقاش حولها؟
النقاش حول النظام التأديبي المخول للمجلس هو نقاش مشروع وضروري، لأنه يلامس جوهر العلاقة بين التنظيم الذاتي وحرية التعبير. قد لا يكون هناك خلاف في أن المجلس يحتاج إلى صلاحيات تأديبية لضبط المهنة وحماية قواعدها الأخلاقية، رغم وجود بعض الآراء التي تعتبر أن وظيفة المجلس بجب أن تكون تخليقية أكثر منها زجرية وتأديبية منطلقة في ذلك من بعض التجارب الدولية. لكن الخطر يكمن في أن تتحول هذه الصلاحيات إلى أدوات رقابية أو زجرية توظف لتكميم الآراء أو تصفية الحسابات، خاصة في ظل غياب معايير دقيقة ومتكاملة لتوصيف المخالفات وضبط العقوبات.
النظام التأديبي، كما هو مطروح، يعاني من غياب التناسب في بعض العقوبات، وغموض في الأسس التي تبنى عليها الأحكام، ونقص في ضمانات المحاكمة العادلة. لذلك، أعتقد أنه في حاجة إلى مراجعة تتوخى الأخذ بعين الاعتبار توصيف دقيق للمخالفات التأديبية، ومساطر شفافة تكفل حق الدفاع والطعن، وربط العقوبة بمبدأ التناسب، فضلا عن ضمان عدم تعارض العقوبات مع صلاحيات القضاء.
-هل الإشكال المطروح اليوم في هذا المجال قانوني فقط، أم له امتدادات أخرى؟
هذا هو السؤال المهم الذي يجب طرحه. الجانب القانوني أساسي، لكنه لا يمثل سوى جزء من الصورة. فالإشكال الحقيقي يتجاوز النصوص إلى سؤال الإرادة السياسية والرؤية العامة لدور الإعلام في البناء الديمقراطي.الصحافة، لكي تؤدي دورها كمؤسسة رقابية ووسيط مجتمعي، تحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية وثقافية تؤمن بحرية الإعلام كسلطة قائمة بذاتها، وليس كأداة للضبط أو التوجيه.
لذلك، فإن السؤال الجوهري اليوم يتعلق بما إذا كانت الحكومة تؤمن بأن الصحافة شريك في التنمية والديمقراطية، أم أنها ما تزال تنظر إليها كجهاز ينبغي التحكم فيه وتوظيفه؟ فطالما لم يحسم هذا السؤال على مستوى الرؤية، فإن أي إصلاح قانوني سيبقى جزئيا ومحدود الأثر.

