أعرب الحقوقيان محمد الغلوسي وعمر محمد بنجلون عن ترحيبهما بقرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية عدد من المقتضيات الواردة في مشروع قانون المسطرة المدنية، معتبرين أن القرار شكل انتصارا للدستور ولحقوق الدفاع، في مواجهة توجه حكومي وصفاه بـ”الانحراف التشريعي” الذي كان سيقوض مبادئ المحاكمة العادلة، مؤكدين أن هذه الخطوة تدخلا ضروريا لحماية الحقوق الدستورية للمتقاضين.
وأوضح عمر محمود بنجلون، وهو محام بهيئة الرباط، في تصريح قدمه لموقع سفيركم الإلكتروني، أن المحكمة الدستورية صححت توجه حكومي عام يتسم بعدم احترامه لدولة الحق و القانون و الدستور و التراكم الحقوقي المغربي، من خلال مجموعة من المراجعات القانونية التي مست العدالة السنين الاخيرة انطلاقا من قانون المسطرة المدنية.
وأضاف قائلا إن “تغول النيابة العامة بإطلاق رقابتها المطلقة على الأحكام أو تغييب الدفاع في بعض المساطر أو المساس بمبادئ تواجهية الأطراف في المحاكمة المدنية و مقتضيات أخرى … جعل العقل الدستوري للمحكمة الدستورية يتصدى لمشروع قانون المسطرة المدنية حماية لمبدئ فصل السلط و المجتمع”.
ومن جانبه، اعتبر المحامي محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، في تصريح مماثل، أن هذا القرار يعكس تدخل “عقل الدولة” لتصحيح ما وصفه بـ”انحرافات حكومة زواج المال بالسلطة”، معتبرا أن رفض المحكمة لبعض المواد يعد تصديا لمحاولات المساس بحقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة.
وانتقد الغلوسي المادة 17 من المشروع، والتي تمنح النيابة العامة الحق المطلق في إمكانية الطعن في الأحكام القضائية النهائية دون تقييد زمني، واصفا إياها بأنها تهديد مباشر لاستقرار المعاملات، مشيرا إلى أنها تجعل “الحقوق فوق كف عفريت”.
وأبرز المتحدث ذاته في معرض تعليقه على المادة 17، أنه في الوقت الذي من المفترض أنه تكرس الأحكام القضائية الأمن القانوني والقضائي، قد تدفع الناس إلى الإحساس بغياب الأمن والأمان
كما توقف عند المادة 84 المتعلقة بإجراءات التبليغ، منتقدا ما اعتبره “انتهاكا صارخا لقواعد المحاكمة العادلة” لهذه العملية، من خلال اعتبار تبليغ الوكيل أو أي شخص يقطن مع المعني بالأمر بمثابة تبليغ قانوني صحيح، مؤكدا أن الهدف من هذه المادة، هو معالجة إشكاليات التبليغ على حساب ضمانات الدفاع، مع تحميل المتقاضين تبعات ذلك.
وانتقد الغلوسي تصريحات سابقة لوزير العدل أشار فيها الى التفكير في اعتماد التبليغ عبر الرسائل الهاتفية القصيرة أو تكليف شركات توصيل الطلبات” بنقل الأحكام والوثائق وتسليمها لأصحابها، معتبرا ذلك دليلا على “غياب الكفاءة الحكومية في تدبير القطاع، متسائلا: “كيف لمن لا يمكنهم أن يدبروا امر مكتب صغير جدا في حي الرياض ان يدبروا أمور شعب باكمله”.
كما أشاد الغلوسي بموقف المحكمة الدستورية من المادتين 107 و364، اللتين تمنعان الدفاع من التعقيب عن مذكرات ومستنتجات المفوض الملكي، واصفا ذلك بأنه “انتهاك واضح وصريح لحقوق الدفاع المكرسة كونيا ودستوريا وقضائيا”.
وأضاف أن المحكمة الدستورية، باعتبارها مؤسسة حريصة على احترام الشرعية الدستورية والمكتسبات الحقوقية والقواعد القانونية والقضائية المتأصلة منذ عقود من الزمن، أكدت من خلال قرارها أن الحكومة ليست هي الدولة، واصفا هذا القرار بأنه “صفعة في وجه الحكومة”.
وفي معرض تعليقه على مشروع قانون المسطرة الجنائية، أعرب الغلوسي عن تخوفه من أن تكرر الحكومة سيناريو قانون المسطرة المدنية، مشيرا إلى أن المادتين 3 و7 من هذا المشروع تمنحان حماية غير مبررة للمتورطين في نهب المال العام، عبر تقييد صلاحيات النيابة العامة في تحريك المتابعة القضائية، في تناقض مع الصلاحيات الواسعة التي منحتها لها في قضايا عامة الناس.
وأوضح أن هذا التوجه، يشكل استغلالا للبرلمان من طرف “نخبة ريعية فاقدة للمصداقية لتحصين لصوص المال العام والتشريع لفائدتهم لتحصينهم من المساءلة والرقابة المجتمعية”، في تعارض مع دور المجتمع المدني المكفول دستوريا، ومع مقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادق عليها المغرب.
وخلص الغلوسي بالدعوة إلى إحالة مشروع قانون المسطرة الجنائية على المحكمة الدستورية، من أجل البت في مدى مطابقة مقتضياته للدستور، مردفا أن المادتين تشكلان عنوانا لانحراف تشريعي جسيم بالتطاول على صلاحيات النيابة العامة وانتهاك قاعدة فصل السلط.


تعليق واحد
قراءة موجزة في القرار الدستوري رقم 255/25:
في البداية اود ان اشير الى ان المحكمة الدستورية لا يمكن وصفها بعقل الدولة ، لان هذا الوصف فيه غلو، وان هذه المحكمة- وان كانت ترى بعين الدستور المتفحصة- الا أنها قد أصدرت من قبل قرارات اعتبرها فقهاء القانون الدستوري متناقضة، ويمكن في هذا الصدد الرجوع لبعض المجلات المتخصصة.
1. السياق العام الذي جاء فيه القرار :
– صدر القرار عن المحكمة الدستورية بتاريخ 4 أغسطس 2025، بناء على إحالة من رئيس مجلس النواب لفحص دستورية القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية.
– تمت مراجعة الملاحظات المقدمة من طرف أعضاء البرلمان (بغرفتيه) ورئيس الحكومة، مع الاستناد إلى الدستور والقوانين التنظيمية ذات الصلة.
2. أبرز النقط :
– إجراءات إقرار القانون: أكدت المحكمة مطابقة الإجراءات التشريعية للدستور، رغم وجود خطأ مادي في تعديل أحد البنود تم تصحيحه.
– مواد غير دستورية:
– المادة 17 (الفقرة الأولى): سمحت للنيابة العامة بإبطال قرارات قضائية نهائية دون ضوابط كافية، مما يمس مبدأ الأمن القضائي.
– المادة 84 (الفقرة الرابعة): نظمت التبليغ بطريقة تعتمد على التخمين وليس اليقين، مما يهدد حقوق الدفاع.
– المادتان 408 و410: منحت وزير العدل صلاحية تقديم طلبات إحالة إلى محكمة النقض، مما ينتهك مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء.
– المادتان 624 و628: أسندت تدبير النظام المعلوماتي القضائي للحكومة مع “التنسيق” مع القضاء، مما يعرض استقلالية هذا الأخير للخطر.
– المادة 90 (الفقرة الأخيرة): سمحت بالحضور عن بعد في الجلسات دون ضمانات كافية لحقوق الدفاع وعلنية الجلسات.
– المادة 288: احتوت إحالة خاطئة إلى مادة غير ذات صلة.
3. النتيجة النهائية:
– أعلنت المحكمة عدم دستورية المواد المذكورة أعلاه، مع الإبقاء على باقي نصوص القانون.
*القراءة النقدية*:
1. الإيجابيات الواردة في القرار :
– حماية المبادئ الدستورية: حرصت المحكمة على ضمان سمو الدستور، خاصة فيما يتعلق باستقلال القضاء (الفصل 107) والأمن القضائي (الفصل 126).
– تحليل :
قدمت تبريرات واضحة لكل قرار، مع ربط المخالفات بنصوص دستورية محددة.
-التركيز على الحقوق الأساسية مثل حق الدفاع (الفصل 120) وعلنية الجلسات (الفصل 123)، مما يمكن اعتباره انه يعزز ضمانات المحاكمة العادلة
2. السلبيات أو الانتقادات:
– التوسع في تفسير “الرقابة القبلية”: قد ينظر إلى إلغاء مواد مثل المادة 17 على أنه تدخل في الصلاحيات التشريعية، خاصة أن الدستور يسمح بتفويض تنظيم المساطر للقانون.
– إغفال بعض السياقات العملية: مثلا، في المادة 90 (الحضور عن بعد)، لم توازن المحكمة بين ضرورات التحديث التقني او التكنولوجي (الرقمنة) والضمانات الدستورية.
– الغموض في بعض الأحكام: مثل تحديد “التنسيق” بين الحكومة والقضاء في المادة 628، حيث لم توضح المحكمة الحدود الدقيقة لهذا التعاون.
3. اقتراحات للتحسين علما ان الامر ليس متروكا لذوي الاختصاص وحدهم:
– وضوح الضوابط: ينبغي للمحكمة تقديم مبادئ توجيهية واضحة عند إلغاء نصوص لضمان ألا يعيد المشرع صياغتها بشكل مشابه (المشرع وان كان بوبي أهمية للمادة الدستورية فإنه يغلب الجانب السياسي على الدستوري رغم تواجد رجال القانون).
– مراعاة التطور التكنولوجي : في قضايا مثل الجلسات عن بعد، يمكن اقتراح تعديلات بدلا من الإلغاء الكامل.
– تعزيز الحوار بين السلطات: تفعيل آلية التنسيق بين المحكمة والبرلمان لتجنب تكرار مخالفات دستورية.
الخلاصة:
يمثل هذا القرار نموذجا للرقابة الدستورية في المغرب، لكنه يثير تساؤلات حول توازن السلطات ومرونة التفسير الدستوري. يظهر القرار التزاما قويا بحماية الحقوق الأساسية، لكنه يحتاج إلى مزيد من الوضوح في التطبيقات العملية لتجنب التعارض مع متطلبات التطور التشريعي الذي يفرض مواكبة العصر وتطوراته.