رغم الارتفاع الكبير الذي تعرفه أسعار الأضاحي سنة بعد أخرى. ورغم تأكيد العديد من الفقهاء أن أضحية العيد تبقى سنة مؤكدة وليست فرضا دينيا. إلا أن ملايين المغاربة يواصلون التهافت على اقتناء “الحولي” بكل الوسائل الممكنة. بما فيها الاقتراض أو التضحية بجزء مهم من ميزانية الأسرة. في مشهد يكشف أن الأمر تجاوز منذ سنوات البعد الديني الصرف. ليتحول إلى طقس اجتماعي وثقافي راسخ داخل الوعي الجماعي المغربي.
ولم تعد الأضحية بالنسبة لعدد واسع من الأسر مجرد ممارسة مرتبطة بعيد الأضحى. بل أصبحت مرتبطة بصورة الفرد داخل محيطه الاجتماعي والأسري. خاصة داخل الأحياء الشعبية والقرى والمدن الصغيرة. حيث ينظر إلى عدم اقتناء الأضحية أحيانا باعتباره نوعا من العجز الاجتماعي أو فقدان “الهيبة” و”الرجولة” و”الكرامة”. وهو ما يجعل العديد من الأسر تتمسك بهذا الطقس مهما كانت الظروف الاقتصادية صعبة.
الأضحية كطقس جماعي يعيد إنتاج التماسك الاجتماعي
كما تحولت الأضحية مع مرور الزمن إلى مناسبة جماعية لإحياء الروابط العائلية والعودة إلى الجذور والأصول. حيث يفضل عدد كبير من المغاربة قضاء العيد وسط العائلة الكبيرة أو داخل القرى والمناطق الأصلية. بما يجعل لحظة الذبح وإعداد الأضحية طقسا جماعيا يعيد إنتاج التماسك الاجتماعي كل سنة.
وفي هذا السياق. قال الأستاذ عبد المنعم الگزان الباحث في علم الاجتماع، إن “أغلب المغاربة يعرفون أن أضحية العيد ليست فرضا بل هي سنة مؤكدة. بل الملاحظ أن العديد من المغاربة ليسوا متدينين بشكل كبير. وأكثر من هذا هناك حتى حانات قامت بابتكار فكرة الطومبولة الخاصة بالحولي”.
وأوضح الباحث أن فهم علاقة المغاربة بالأضحية لا يمكن اختزاله فقط في الجانب الديني. لأن الأمر يرتبط بأبعاد اجتماعية ورمزية عميقة. معتبرا أن الأضحية “أصبحت مؤسسة اجتماعية ورمزية راسخة في الوعي الجمعي المغربي”.
وأضاف أن نحر الأضحية تحول إلى “طقس جماعي وليس فرديا. إنه إعادة إحياء للانتماء للجماعة والأسرة. حيث يعود العديد من المغاربة إلى الجذور والعائلة والقرية مهما كانت مكانتهم الاجتماعية”.
“الحولي” والرأسمال الرمزي داخل المجتمع المغربي
وأكد المتحدث أن تمسك المغاربة بشراء الأضحية يرتبط أيضا بالحفاظ على المكانة الاجتماعية والرأسمال الرمزي داخل المجتمع. موضحا أن “امتلاك الأضحية يقترن لدى البعض بامتلاك الرجولة والكرامة والاحترام الاجتماعي. وعند عدم شرائها يتم فقدان ذلك الرأسمال الرمزي. بما يدفع حتى بعض الفقراء إلى الاقتراض مخافة التنمر أو الإقصاء الرمزي والعار الاجتماعي”.
وأشار الباحث إلى أن الأضحية ترتبط أيضا بالذاكرة الجماعية للمغاربة وبالطفولة والعائلة وذكريات الراحلين. موضحا أن العديد من المغاربة يؤرخون حتى للأحداث بعبارات مرتبطة بالأضحية من قبيل “العام لي ماضحيناش” أو “العام لي هرب الحولي”. وهو ما يعكس عمق حضور هذا الطقس داخل المخيال الشعبي المغربي.
وشدد الباحث على أن الأضحية تحولت مع مرور القرون إلى جزء من الهوية الوطنية المغربية. وساهم في ترسيخها أيضا حضورها داخل البروتوكولات الرسمية المرتبطة بسلاطين وملوك المغرب عبر التاريخ.
وختم الأستاذ عبد المنعم الگزان تصريحه بالتأكيد على أن هذا الطقس يحمل جوانب إيجابية مرتبطة بالتضامن والتماسك الاجتماعي. لكنه في المقابل يخلق إشكالات اقتصادية للأسر والدولة. وهو ما يتطلب مزيدا من التثقيف المجتمعي لتجاوز بعض المظاهر السلبية المرتبطة بالضغط الاجتماعي. دون المساس بالقيم التضامنية والثقافية التي يمثلها العيد داخل المجتمع المغربي

