اشرف بولمقوس: باحث في القانون الدستوري و العلوم السياسية
لم تكن الفيضانات التي شهدها شمال المغرب مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل تحولت إلى لحظة سياسية بامتياز، أعادت إلى الواجهة سؤال الدولة الاجتماعية في معناه العملي. فحين تُعلن مناطق منكوبة، وتُرصَد اعتمادات للتعويض وجبر الضرر، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتدبير ظرفي للأزمة، بل باختبار حقيقي لقدرة الدولة على تجسيد تعاقد اجتماعي جديد، يجعل من الكرامة والحماية الاجتماعية حقاً لا منّة.
لقد رسّخ النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة مفهوم الدولة الاجتماعية باعتباره أفقاً إصلاحياً مركزياً، خاصة مع إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية وتنزيل مضامين النموذج التنموي الجديد. وفي هذا السياق، تبدو التعويضات الممنوحة للمتضررين من الفيضانات امتداداً طبيعياً لهذا المسار، حيث تتحول الدولة من فاعل إداري إلى ضامن للحد الأدنى من الأمان الاجتماعي في مواجهة المخاطر.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في رصد الاعتمادات المالية أو في سرعة الإعلان عن الدعم، بل في كيفية تنزيله على أرض الواقع. وهنا تبدأ المنطقة الحساسة التي قد تُفرغ المشروع الاجتماعي من مضمونه إذا لم تُحسن تدبيرها.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه فكرة الدولة الاجتماعية هو أن تُختزل في إجراءات مركزية نبيلة، تُشوَّه عند مستوى التنفيذ المحلي. فإذا تسربت إلى عملية إحصاء المتضررين أو تحديد لوائح المستفيدين ممارسات تنتمي إلى زمن ما قبل الدولة الاجتماعية—من تلاعب، أو محسوبية، أو ابتزاز، أو خلق “سوق سوداء” للوساطة والرشوة—فإننا نكون أمام مفارقة خطيرة: يتحول مشروع تعزيز الثقة إلى سبب إضافي لتآكلها.
فالدولة الاجتماعية لا تقوم فقط على تحويلات مالية، بل على عدالة الولوج إليها. وأي شعور لدى المواطن بأن الاستفادة رهينة بعلاقات شخصية، أو خاضعة لتقديرات غير شفافة، أو مشروطة بأداء مقابل غير مشروع، ينسف الأساس الأخلاقي والسياسي لهذا النموذج. بل أكثر من ذلك، قد يُنتج إحساساً مضاعفاً بالظلم: ظلم الكارثة الطبيعية، وظلم سوء التدبير.
إن لحظة الكارثة غالباً ما تكشف هشاشة البنيات، لكنها تكشف أيضاً هشاشة الثقافة الإدارية إن لم تكن محصنة بقيم النزاهة والرقابة ( حكاية المؤشر مثالا ). ومن هنا تبرز ضرورة إحاطة عملية التعويض بضمانات واضحة: معايير موضوعية ومعلنة لتحديد الضرر، لجان متعددة الأطراف، آليات تظلم فعالة، ورقابة مؤسساتية ومجتمعية صارمة. فالحكامة الجيدة ليست تفصيلاً تقنياً، بل شرطاً وجودياً لنجاح الدولة الاجتماعية.
ثم إن التحول نحو دولة اجتماعية حديثة يفترض القطع مع منطق “الريع الاجتماعي” الذي قد يظهر في سياق الأزمات، حيث تُستثمر المعاناة لتحقيق مكاسب شخصية أو انتخابية. فالدعم العمومي ليس مجالاً لإعادة إنتاج شبكات الولاء، بل أداة لإرساء مبدأ الاستحقاق والإنصاف. وكل انزلاق في هذا الاتجاه يعيدنا خطوة إلى الوراء، نحو نموذج دولة الرعاية الزبونية، لا دولة الحقوق.
ولعل التحدي الأكبر اليوم هو الانتقال من رد الفعل إلى بناء منظومة صمود اجتماعي متكاملة. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بقدرتها على التعويض بعد الكارثة، بل بقدرتها على الوقاية منها وتقليص آثارها. الاستثمار في البنيات التحتية الوقائية، وضبط التعمير، وإدماج معايير المخاطر المناخية في التخطيط الترابي، كلها عناصر تجعل من الحماية الاجتماعية مساراً استباقياً لا علاجاً متأخراً.
إن الفيضانات وضعت مشروع الدولة الاجتماعية أمام امتحان مزدوج: امتحان النجاعة وامتحان النزاهة. فإذا نجحت الدولة في إيصال الدعم إلى مستحقيه بشفافية وعدالة، فإنها تعزز الثقة وتكرس تحولاً بنيوياً في علاقتها بالمجتمع. أما إذا تُرك المجال لتسلل ممارسات الماضي، فإن الضرر لن يكون مادياً فقط، بل سيمس جوهر العقد الاجتماعي الناشئ.
في زمن تتزايد فيه المخاطر المناخية والاجتماعية، لم يعد مقبولاً أن يبقى الفرق بين الخطاب والممارسة واسعاً. فالدولة الاجتماعية ليست وعداً سياسياً، بل التزاماً أخلاقياً ومؤسساتياً. والرهان اليوم هو أن تتحول لحظة الألم إلى لحظة ترسيخ لثقافة جديدة في التدبير العمومي، عنوانها: الحق في الحماية، والحق في الإنصاف، والحق في الثقة.

