رسمت الحكومة المغربية صورة قاتمة ومقلقة لمستقبل الوضع المائي بالمغرب. حيث كشفت أرقام رسمية عن تراجع حاد في حصة الفرد من الماء لتصل إلى 600 متر مكعب سنويًا. وهو رقم يضع البلاد تحت “خط الفقر المائي” المدقع، بعيداً عن عتبة الإجهاد المائي المحددة دولياً في 1000 متر مكعب.
وفي عرض مفصل قدمه نزار بركة، وزير التجهيز والماء، أمام لجنة البنيات الأساسية بمجلس النواب (28 أبريل 2026). ظهر أن المغرب يعيش “عقد التقلبات القصوى”. فبينما سجلت سنة 2024 أعلى ارتفاع حرارة وطني (+1,49 درجة مئوية). تسببت الفيضانات الأخيرة في إجلاء 188 ألف شخص وتدمير محاور طرقية استراتيجية.
أرقام صادمة: مغرب “عطشان” رغم الأمطار الأخيرة
ورغم التحسن النسبي في حقينات السدود التي وصلت إلى 75.86% (أبريل 2026) بمخزون 13 مليار متر مكعب، إلا أن المعطيات الهيدرو-مناخية تشير إلى عجز بنيوي. فالمعدل السنوي للواردات المائية انهار من 22.1 مليار متر مكعب (ما قبل 1980) إلى 13.7 مليار متر مكعب حالياً، ما يمثل عجزاً سنوياً مهولاً فرض اللجوء إلى “حلول قصوى”.
كما تظهر خريطة الموارد الجوفية استنزافاً كبيراً. حيث تتركز القدرة القابلة للتعبئة في حوض سبو بـ 1110 مليون متر مكعب. بينما تعاني مناطق مثل “الساقية الحمراء ووادي الذهب” من ندرة شبه كاملة (22 مليون متر مكعب فقط).
السياسة المائية.. من السدود إلى التحلية
ولمواجهة هذا الوضع، رفعت الحكومة الكلفة المحينة للبرنامج الوطني للتزويد بالماء (2020-2027) إلى 143 مليار درهم. وتعتمد الخطة الجديدة على “ثورة” في المصادر غير الاعتيادية:
- تحلية مياه البحر: رفع الإنتاج من 410 مليون متر مكعب حالياً إلى 1.7 مليار متر مكعب في أفق 2030 (تغطية نصف حاجيات الشرب).
- الطرق المائية: استكمال ربط الأحواض (سبو-أبي رقراق-أم الربيع) لنقل 800 مليون متر مكعب سنوياً، لمنع ضياع مياه الشمال في البحر وتوجيهها للمناطق العطشى.
- إعادة استعمال المياه: استهداف 100 مليون متر مكعب من المياه العادمة لسقي ملاعب الكولف (30 ملعباً) والمساحات الخضراء.
الفيضانات.. فاتحة حساب بـ 3 مليارات درهم
وبالتوازي مع أزمة الجفاف. كلفت الفيضانات الأخيرة ميزانية الدولة 3 مليارات درهم كبرنامج استعجالي لدعم المتضررين في الشمال والغرب (العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم، سيدي سليمان). كما شملت الأضرار غمر 110 آلاف هكتار من الأراضي الفلاحية، وتضرر 119 مقطعاً طرقياً وطنياً وجهوياً.
وخصصت الوزارة 2.6 مليار درهم فقط لإصلاح الطرق المصنفة التي دمرتها السيول. مع تعبئة 572 إطاراً وتقنياً و390 آلة حفر لفتح المسارات التي عزلت قرى بأكملها. خاصة في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة التي سجلت انزلاقات صخرية خطيرة.
رهان العالم القروي والشراكة الدولية
وفي ظل “الخصاص المائي” بالبوادي، كشف الوزير عن تخصيص 2.4 مليار درهم لتوفير الشاحنات الصهريجية (كراء وشراء 1209 شاحنة)، مع استهداف تزويد 22100 دوار بالماء الشروب في أفق 2027 بكلفة تقارب 22 مليار درهم.
دولياً، يبرز التعاون المغربي الإماراتي (اتفاقية مايو 2025) كركيزة أساسية، حيث سيمول هذا التعاون مشاريع نقل المياه وإنتاج 900 مليون متر مكعب إضافية من المياه المحلاة عبر الطاقة المتجددة، في محاولة لفك الارتباط بين “الأمن المائي” وتقلبات المناخ التي لم تعد ترحم.

