أعلن رئيس أساقفة الرباط، الكاردينال الإسباني كريستوبال لوبيز روميرو، التراجع مؤقتا عن مهامه، بعد اتهامات بعنف جنسي وسلوك غير لائق كشفتها وكالة فرانس برس. استنادا إلى شهادات نساء ومصادر قريبة من الملف.
ونفى لوبيز روميرو، البالغ 74 عاما، أن يكون قد ارتكب “أي اعتداء أو عنف أو تحرش جنسي”. مؤكدا أن الكنيسة فتحت تحقيقا أوليا في الاتهامات الموجهة إليه.
رئيس أساقفة الرباط يعلن الابتعاد مؤقتا
وقال رئيس أساقفة الرباط، في نص وجهه إلى مؤمني الأبرشية، إنه متهم بـ“سلوكيات غير لائقة تجاه نساء بالغات”. مضيفا أن هذه الوضعية دفعت الكنيسة إلى فتح تحقيق أولي.
وأضاف أنه، خلال فترة التحقيق، سيتراجع عن الظهور في مهامه، ولن يترأس أي احتفال علني. كما لن يشارك في أي نشاط رعوي، وذلك حتى لا يعرقل مسار التحقيق الداخلي.
وأفادت وكالة فرانس برس بأن السلطات الكنسية أحالت إلى الفاتيكان الإشعارات التي توصلت بها بشأن الملف. فيما لم تقدم أي شكاية، إلى حدود الآن، أمام القضاء المغربي.
خمس نساء يوجهن اتهامات للكاردينال
وكشفت وكالة فرانس برس أن خمس نساء على الأقل وجهن اتهامات إلى كريستوبال لوبيز روميرو، الذي يشغل منصبه في المغرب منذ سنة 2018.
وتحدثت الوكالة إلى امرأة استعملت لها اسما مستعارا هو “أديلايد”، وهي متقاعدة وفاعلة داخل الكنيسة. غير أنها لم تسمح بكشف مضمون شهادتها في هذه المرحلة. وأفادت بأن الأمر يتعلق باعتداءات جنسية متكررة.
وقالت أديلايد إن هذه الوقائع بدأت في أواخر سنة 2024. مشيرة إلى أنها تحدثت عنها “جزئيا منذ البداية” مع النائب العام للأبرشية مارك هيلفر، وهو المساعد المباشر لرئيس الأساقفة.
وأوضحت أنها وجهت، في 22 أبريل، رسالة إلى السفارة البابوية بالرباط، وهي ممثلية الفاتيكان في العاصمة المغربية.
شهادات مكتوبة وإشعارات داخل الأبرشية
اطلعت وكالة فرانس برس أيضا على شهادة مكتوبة لامرأة ثانية، وجهت في 9 ماي إلى السفارة البابوية نفسها.
واتهمت هذه المرأة الكاردينال بالقيام بـ“حركات جسدية” قالت إنها “اعتبرتها غير لائقة”. من بينها “عناقات قوية وطويلة بشكل خاص”، و“محاولة اقتراب جسدي يمكن تشبيهها بمحاولة” تقبيل. قالت إنها أفلتت منها “بصعوبة”.
وأفاد مصدر داخل أبرشية الرباط للوكالة بأنه علم بأن ثلاث نساء أخريات على الأقل وجهن إلى كريستوبال لوبيز روميرو اتهامات تتعلق بـ“وقائع مشابهة”.
وأكدت فرانس برس أنها لم تتمكن من تحديد الطبيعة الدقيقة لهذه الإشعارات الإضافية.
اسم بارز كان مطروحا لخلافة البابا
ورد اسم كريستوبال لوبيز روميرو، خلال مجمع الكرادلة في ماي 2025. ضمن الشخصيات التي جرى تداولها لخلافة البابا فرانسيس.
وكانت مجلة “ناشيونال كاثوليك ريفيو” قد اعتبرت أن مساره الشخصي، المبني على “مد الجسور بين الثقافات والقارات”، قد يجعله “مرشحا قويا للمنصب الأعلى في الكنيسة”.
وانسحب لوبيز روميرو من المجمع قبل أربعة أيام فقط من التصويت. مؤكدا أنه لا يملك “أي طموح إطلاقا” ليصبح بابا.
ويعرف الكاردينال، وفق فرانس برس، بصورة “كاهن الشارع” ذي الطابع المرح، بشعره ولحيته البيضاء. وينتمي إلى الرهبنة السالزية، التي أسسها القديس جان بوسكو في القرن التاسع عشر، والمتخصصة في التربية ومرافقة الشباب. خاصة الفئات الهشة.
وشغل لوبيز روميرو، الذي يحمل أيضا جنسية باراغواي بعد عمله فيها مبشرا، عضوية مؤسستين داخل الفاتيكان. كما عرف بانخراطه في الحوار بين الأديان. وكان البابا فرانسيس قد عينه كاردينالا سنة 2019.
اتهامات بسلوك متكرر وثقافة صمت
ونقل مصدر داخل الأبرشية، استنادا إلى “مقربين” يعرفون الكاردينال منذ فترة طويلة، أن سلوكيات مشابهة سبق أن جرى التبليغ عنها عندما كان في باراغواي، ثم عندما كان مسؤولا إقليميا عن السالزيين في بوليفيا وإسبانيا.
وانتقد المصدر ما وصفه بـ“ثقافة التواطؤ والصمت” داخل محيط الكاردينال، معتبرا أنها ساهمت في حمايته.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق ما تزال فيه الكنيسة الكاثوليكية متأثرة بعقود من الكشف عن اعتداءات جنسية ارتكبها رجال دين، وبما رافقها من اتهامات بالتستر.
وأكدت وكالة فرانس برس أن الفاتيكان لم يرد فورا على طلبات التعليق.
النائب العام للأبرشية: لا نغطي على أحد
أرفقت أديلايد، في إشعارها الموجه إلى السفارة البابوية في أبريل، وثيقة مؤرخة في أكتوبر 2025، صادرة عن النائب العام للأبرشية مارك هيلفر.
وتحدثت الوثيقة عن “أفعال” قام بها كريستوبال لوبيز روميرو تجاهها، كما تساءلت عن “مدى ملاءمة” استمراره في منصبه كأسقف.
وكتب هيلفر، في الوثيقة نفسها، أنه يريد “حماية” أديلايد ورئيس الأساقفة في الوقت ذاته، مشيرا إلى أنه قرر التحدث إلى الكاردينال لمساعدته على “تغيير سلوكه تجاه النساء”.
وأكد هيلفر، في حديث مع وكالة فرانس برس قبل إعلان الكاردينال تراجعه عن مهامه، أنه ناقش الوضع مع المعني بالأمر، معتبرا أن على هيئات الكنيسة الداخلية أن تواصل تحقيقها.
وقال: “لا نعرف ما إذا كانت الوقائع المبلغ عنها تندرج فعلا ضمن الاعتداء الجنسي”. وأضاف: “لا نغطي على أحد”.
إشعارات إلى الفاتيكان وتمسك بقرينة البراءة
أحال مصدر قريب من الملف، طلب عدم كشف هويته، على وكالة فرانس برس أربعة مراسلات، يعود أولها إلى مطلع أبريل، وجهت إلى السفارة البابوية وإلى دائرة عقيدة الإيمان في الفاتيكان.
وتتحدث هذه المراسلات عن مزاعم عنف جنسي من طرف “رجال دين، من بينهم الأب كريستوبال شخصيا”.
وقال السفير البابوي ألفريد زويريب إن دور السفارة البابوية يقتصر على “إحالة الإشعارات التي توصلت بها إلى المصالح المختصة في الكرسي الرسولي”.
وشدد زويريب على أن “قرينة البراءة يجب أن تبقى محفوظة” إلى أن تثبت الوقائع من طرف السلطات المختصة.
محامية تربط الوقائع بوضعية السلطة
اعتبرت نادية دبّاش، المحامية المتخصصة في قضايا العنف الجنسي، أن الوقائع الموصوفة في حالة أديلايد تدخل ضمن “التحرش الجنسي المشدد والاعتداءات الجنسية المشددة”.
وأضافت أن حالة المرأة الثانية قد تندرج، وفق توصيفها، ضمن “التحرش الجنسي المشدد ومحاولة الاعتداء الجنسي المشدد”، موضحة أن التشديد يرتبط بما وصفته باستغلال السلطة من طرف المشتبه فيه المفترض.
وأشارت المحامية إلى أن القانون الجنائي المغربي ينص على عقوبات مشددة بالنسبة إلى هذه الجرائم عندما ترتكب، خصوصا، من طرف شخص له سلطة. كما يجرم عدم التبليغ عن جريمة أو محاولة جريمة.
الكنيسة بالمغرب أمام ملف جديد
لا تعد هذه القضية الأولى التي تهز الكنيسة في المغرب، حيث يشكل الكاثوليك أقلية صغيرة داخل بلد مسلم.
ففي نهاية شتنبر، ندد تجمع “الكلمة المستقبلة”، الذي يدعم ضحايا العنف الجنسي داخل الكنيسة، بما اعتبره غيابا للشفافية من طرف السلطات الكنسية بعد قضية إيف غروجان.
وكان غروجان، وهو كاهن فرنسي، قد وجه إليه الاتهام في فرنسا في قضية اعتداءات جنسية مشددة، بعدما مارس مهامه في المغرب بين 2017 و2024.
وأشارت وكالة فرانس برس إلى أن اتهامات جديدة ظهرت، بعد أسابيع، ضد الأب أنطوان إكسلمان، المشتبه في استغلاله جنسيا مهاجرين ولاجئين قاصرين في الدار البيضاء.

