بقلم: عمر لبشيريت
مرّ أكثر من أسبوعين على نهائي كأس إفريقيا للأمم، وثلاثة أيام على صدور قرارات لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ومع ذلك لا تزال الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ورئيسها فوزي لقجع، يلتزمان صمتاً مطبقاً. صمت لا يقتصر على غياب البلاغات أو الندوات الصحفية، بل يمتد ليشمل انعدام أي تواصل مؤسساتي يشرح، أو يبرر، أو حتى يَعِد بتوضيح لاحق.
في سياق رياضي طبيعي، يُفترض أن تكون هذه المرحلة مرحلة مصارحة وتقييم، لا مرحلة اختباء وتجاهل. فالمنتخب الوطني خرج من بطولة قارية وسط جدل واسع، وصدرت قرارات تأديبية لها تبعات رياضية ومعنوية، ومع ذلك يُترك الرأي العام المغربي في فراغ تواصلي كامل، وكأن ما حدث شأن داخلي ضيق لا يعني الملايين من المتابعين.
الأخطر من ذلك أن “خبراً” بحجم اعتذار المغرب عن تنظيم كأس إفريقيا للسيدات لم يصدر عن الجامعة ولا عن أي جهة رسمية داخل البلاد، بل وصل إلى المغاربة عبر جنوب إفريقيا. ثم جاء التوضيح أو التكذيب من جنوب افريقيا أيضا، التي طمأنتنا أن تنظيم المسابقة مازال في حوزة المغرب. وجامعتنا نائمة، لا تنفي، ولا تؤكد، ولا توضح..نحن هنا لا نتحدث عن تسريب عابر، بل عن قرار استراتيجي يمس التزامات المغرب القارية، وصورته التنظيمية، واستثماره في كرة القدم النسوية. حين تغيب المؤسسة المعنية عن شرح قرار بهذا الحجم، فإن الأمر لا يمكن تفسيره إلا باعتباره استخفافاً بالرأي العام، أو عجزاً عن تحمّل كلفة المصارحة.
أسئلة كثيرة تراكمت، وكلها مشروعة:
هل تعتزم الجامعة الطعن في قرارات لجنة الانضباط أم لا؟ وعلى أي أساس قانوني؟
هل هناك قراءة داخلية تعترف بالأخطاء التنظيمية أو التواصلية التي رافقت البطولة؟
هل ستُقدَّم حصيلة تقنية موضوعية لمشاركة المنتخب، أم سنكتفي بخطاب عمومي فضفاض عن “التجربة” و“التراكم”؟
وأخيراً، ما موقع وليد الركراكي داخل هذا المشروع؟ هل ما زال يحظى بثقة مطلقة، أم أن المرحلة تفرض مراجعة هادئة وواضحة؟
غياب الأجوبة لا يعني فقط غياب المعلومة، بل يفتح الباب واسعاً أمام الإشاعة والتأويل، ويحوّل النقاش الرياضي الصحي إلى ساحة صراع افتراضي بلا ضوابط. وهو ما تتحمّل مسؤوليته الكاملة مؤسسة اختارت الصمت بدل التواصل.
المفارقة أن هذا الصمت يأتي في وقت يزعم فيه أن الجامعة راكمت نفوذاً غير مسبوق داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. ففوزي لقجع يُقدَّم كأحد أبرز صناع القرار داخل “الكاف”، والمغرب يُنظر إليه كقوة تنظيمية وديبلوماسية رياضية صاعدة. غير أن النفوذ الخارجي، حين لا يُوازيه احترام داخلي للرأي العام، يتحول من مصدر قوة إلى عبء. إذ لا معنى لحضور قوي في الكواليس القارية، إذا كان الجمهور المحلي يُعامل كطرف غير معني بما يُتخذ من قرارات باسمه.
وفي مقابل هذا النموذج، اختارت الجامعة السنغالية نهجاً مغايراً تماماً. منذ النهائي المشؤوم، حرصت على التواصل المنتظم مع جمهورها، عبّرت عن غضبها، شرحت موقفها من التحكيم والقرارات، ثم أعلنت بوضوح أنها لن تتقدم بأي طعن. قد يختلف معها البعض، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنها احترمت ذكاء جمهورها، وتعاملت معه كفاعل أساسي لا كمجرد متلقٍّ سلبي.
في المغرب، يبدو أن منطق “الإنجازات السابقة” يُستعمل كدرع لصد أي مساءلة. نصف نهائي كأس العالم، تنظيم تظاهرات كبرى، نفوذ داخل الكاف… كلها إنجازات حقيقية، لكنها لا تُعفي من واجب الشرح والتقييم. بل على العكس، كلما كبر المشروع، كبرت معه الحاجة إلى الشفافية. وللأسف اختفى لقجع واختفت معه جامعة الكرة، واختفت معهم الشفافية.. قمة اللامسؤولية.
إن كرة القدم لم تعد مجرد نتائج داخل الملعب، بل أصبحت مجالاً للسياسات العمومية، والهوية، وصورة الدول. ومن هذا المنطلق، فإن تدبيرها بمنطق “مول الكرة” أو “الثقة العمياء” لم يعد مقبولاً. فحتى لو كان رئيس الجامعة “يصنع النووي”، فإن حق المغاربة في المعلومة والتفسير غير قابل للتنازل.
الصمت، في النهاية، ليس حياداً. إنه موقف سياسي وتواصلي له كلفة. وكلفة هذا الصمت اليوم تُدفع من رصيد الثقة بين المؤسسة والجمهور. وفي لحظة مفصلية تحتاج فيها الكرة المغربية إلى وضوح، ومراجعة، ونقاش هادئ ومسؤول، تختار الجامعة الغياب.
وذلك، بكل بساطة، اختيار خاطئ، وغير مسؤول، وفيه الكثير من الاحتقار للرأي العام..

