بقلم: عبد الدين حمروش*
وُظفت مغالطات دعائية خلال الاثني عشر يوما من العدوان الإسرائيلي على إيران. من بين تلك المغالطات، التي انتشرت في المغرب، والتي انطلت على عدد كبير من الناس، أن الوازع الوطني يقتضي الاصطفاف ضد الجمهورية الإيرانية، بدعوى مساندتها للانفصال في الصحراء المغربية. وازدادت المغالطة قوة، حين تمّ “تتْبيلها” بتاريخ الصراع الفارسي- العربي من جهة، وبسياقات الحرب الطائفية السنية- الشيعية من جهة ثانية. هل كانت الآلة الدعائية الصهيونية بعيدة؟
لماذا نعتبر هذه “المعادلة” مُغالِطة، أو في غير محلها وسياقها؟ لماذا؟ ببساطة، لأنها ترفع النظام الإيراني إلى مرتبة العدو الاستراتيجي، في حين تجعل حكومة اليمين الإسرائيلي في صف الحليف، أو بمستوى أدنى في صف “غير العدو”. هل إسرائيل محايدة في علاقتها بالمغرب؟ حتى لا ينخدع أحد بشعارات التسامح، إسرائيل تحتل أراضيَ عربية، وتسعى إلى التوسع في أخرى، وصولا إلى تحقيق وهم “إسرائيل الكبرى”. إنها دولة هيمنية، لن تستقر إلا بفرض نفسها قوة إقليمية كبرى بالشرق الأوسط، وشمال أفريقيا. ولأن المغرب جزء من هذا الفضاء المغاربي- العربي، فإن مجال الأطماع الإسرائيلية من شأنه أن يمتد إلى بلادنا. بعبارة موجزة، إن كيانا وظيفيا مصطنعا، مثل إسرائيل، لا يجوز الوثوق بسياساته على الإطلاق. في مستوى أقل، يمكن اتّقاء شرور هذا الكيان المتوقعة، في ظل ما يحظى به من رعاية من قِبل الأمريكيين والأوروبيين، إلا أن ترقيته إلى مرتبة الحليف يعتبر خطأ استراتيجيا فادحا، وبخاصة في ظل عدم تسوية القضية الفلسطينية.
يبدو لي أن الحوار الاستراتيجي بين المغرب وإيران ضروري، لاعتبارات كثيرة، منها أن إيران دولة كبيرة، عددا، ومساحة، ومقدرات طبيعية. ثم لا ينبغي أن ننسى أنها تنطوي على حضارة عظيمة، جعلت من شعبها أمة عظيمة. وإن كان هناك من “شوائب”، قد تحول دون تطوير علاقات التعاون بين المغرب وإيران، فإن الشروع في الحوار الاستراتيجي بين الدولتين يمكن أن يُجنب الشعبين كثيرا من المشاكل. وللإشارة، وفي ضوء النتائج المتحصلة، التي أسفر عنها العدوان الاسرائيلي الأخير، فإن من المقدّر أن تخرج إيران من العدوان الصهيو- أمريكي منتصرة، وإن لم يكن فغير خاسرة على الأقل. لماذا؟ لأن إسقاط النظام، الذي كان الهدف الاستراتيجي الأبرز للعدوان، لم ينجح. أما إذا أضفنا إلى ذلك احتفاظ إيران باليورانيوم المخصب، إلى جانب امتلاكها التكنولوجيا النووية، سيجعلان الحرب تميل كفّتُها إلى الجمهورية الإيرانية.
لقد اعتقد رئيس الحكومة الإسرائيلية، اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو، أن انتصاراته الأخيرة، وبخاصة بعد الضربات الاستخبارية الموجهة إلى حزب الله، وكذا سقوط نظام بشار الأسد، لن تكتمل إلا بالضربة “الاستخبارية” القاضية، التي قام بتوجيهها، في بداية العدوان، إلى طهران، عبر اغتيال قادة الصف الأول من الحرس الثوري والعسكريين، ومعهم طليعة العلماء النوويين. غير أن استيعاب النظام الإيراني للضربة القوية الأولى، وفي الإثر دخوله في المواجهة الندّية بالصواريخ، سيؤديان إلى إنهاك دولة الاحتلال، ما يجعل خيار إيقاف المواجهة أمرا مطلوبا من قبل جميع الأطراف. تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، بعد الضربة الرمزية الموجهة إلى قاعدة العيديد القطرية، تؤكد “مخرجات” المواجهة المتوافق عليها.
ما من شك في أن برنامح إيران النووي قد تعرض لضربات قوية، وإن لم ينته إلى الزوال بشكل جذري. ويُعتقد أن مفاوضات، بوساطة روسيا بوتين، في المنظور القريب، ستحسم في مسألة التسليم بأحقية طهران امتلاك التكنولوجيا النووية، واستعمالها المشروع لأغراض سلمية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالمواجهة الأخيرة أظهرت أمرين اثنين كبيرين (الأول إيجابي والثاني سلبي): قوة استخبارية هائلة من جهة، وانكشاف استراتيجي خطير. ولولا تدخُّل الولايات المتحدة الأمريكية عسكريا، والتوافق على مخرجات المواجهة، لكانت دويلة الكيان عرضة للانهيار. حجم مساحتها، علاوة على طبيعة مواطنيها، كانا مجالين خصبين لنجاح صواريخ إيران الباليستية.
من الطبيعي أن يكون لإيران دور إقليمي في الترتيبات الجيوبوليتيكية المقبلة في الشرق الأوسط، بانتظار ما ستؤكده الأحداث في السنوات القادمة. وبحكم انتصابها طرفا موازيا لإسرائيل في المنطقة، فإن الخاسر الأكبر من هذه المواجهة سيكون العرب. لن يعود لدويلة الاحتلال تلك “الورقة”، التي كانت بها تزايد على العرب، من خلال الزعم بحمايتهم من الخطر الإيراني الداهم. ما يدل على الخسارة العربية الفادحة في هذه المواجهة، أن الضربة الوحيدة التي بقيت دون رد، هي: ضربة قاعدة العديد. ومن دلالات هذه الضربة المؤكدة، أيضا، استمرار الإبادة الجماعية في قطاع غزة. قيل الكثير عن استخدام إيران العرب، في مواجهة دولة الاحتلال، عبر أذرع طائفية وفصائلية. ها قد دخلت إيران أتون المواجهة العسكرية، وها قد خرج نظام الملالي منها سالما. فماذا العرب فاعلون لحماية أمنهم القومي، وفي مستواه الأول إيقاف آلة الحرب الإسرائيلية الإبادية المسلطة على غزة؟
*كاتب مغربي

