حذر يونس فيراشين، عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، من تفاقم الاختلالات البنيوية في سوق الشغل والحماية الاجتماعية بالمغرب. مؤكدا أن الأرقام الرسمية، رغم ما تعكسه من تحسن نسبي في معدل البطالة، تخفي واقعا اجتماعيا مقلقا يتسم بتراجع معدل الشغل واتساع دائرة الهشاشة والإقصاء الاقتصادي.
وأكد فيراشين، خلال ندوة صحفية لتقديم نتائج “الباروميتر الاجتماعي 2025”، أن تراجع البطالة إلى 13% لا يمكن اعتباره إنجازا حكوميا. لأنه يخفي تفاوتات صارخة، أبرزها تجاوز البطالة 16% في الوسط الحضري، وأكثر من 20% لدى النساء. وبلوغها 37.2% في صفوف الشباب. مشددا على أن “الصدمة الكبيرة التي لا يتحدث عنها أحد” تكمن في تراجع معدل الشغل، الذي فقد 4.1 نقاط منذ 2017. ما يعني أن 62% من المغاربة في سن العمل يوجدون خارج دائرة الإنتاج. واعتبر ذلك “هدرا اجتماعيا وديموغرافيا كبيرا”، ناتجا عن “اليأس من إيجاد عمل أو الإقصاء الممنهج”.
بطالة مقنعة
وفي السياق ذاته، نبه إلى تفاقم معدلات الشغل الناقص، الذي وصفه بـ”بطالة مقنعة”. حيث ارتفع من 9.3% سنة 2021 إلى 10.9% . موضحا أن آلاف العمال، خاصة النساء في قطاعات النظافة والخدمات، يشتغلن في ظروف “متقطعة وموسمية وبأجور متدنية لا تغطي الحاجيات الأساسية”.
وسجل المتحدث أن الفئات “الخاسرة الكبرى” في سوق الشغل هي الشباب والنساء، مبرزا أن بطالة حاملي الشهادات تصل إلى 19%، ما يدفع الشباب إلى “الهجرة أو العمل المؤقت بدون حقوق كخيارات بديلة”. كما انتقد بحدة فشل الحكومة في رفع معدل نشاط النساء، الذي ظل في حدود 19%، ما يعني أن 81% من النساء خارج سوق العمل.
وتوقف فيراشين عند أزمة الشباب خارج العمل والدراسة والتكوين (NEET)، واصفا إياها بـ”الأزمة الخطيرة” ذات “كلفة مالية واجتماعية وإنسانية وأمنية”. حيث يبلغ عددهم 2.9 مليون شاب، 76% منهم بدون شهادة، و72% نساء، مع تسجيل تفاوتات مجالية حادة.
وفي قراءته للبنية الاقتصادية، أبرز ما سماه “مفارقة التنمية”. موضحا أن المغرب يسجل نموا “لا يخلق فرص العمل”، حيث تراجعت فعالية النمو في تقليص البطالة بشكل حاد، لتصل إلى 0.05% فقط في الولاية الحالية، مقارنة بمستويات أعلى في السابق. وبنسب أكبر في دول مثل إسبانيا وفرنسا وتركيا. مرجعا ذلك إلى “طبيعة الاستثمارات ذات الكثافة الرأسمالية التي لا تخلق فرص شغل دائمة”.
وهم الزيادة في الأجور
وعلى مستوى الأجور، وصف فيراشين الزيادات الحكومية بـ”وهم الزيادة”، معتبرا أن التضخم “ابتلع كل المكتسبات”، إذ بلغ 15% بين 2021 و2025، وهو نفس مستوى الزيادة في الحد الأدنى للأجور، ما يعني أن الأجور الحقيقية “لم ترتفع ولو بدرهم واحد”.
الفجوة الأجرية
وأضاف أن الحديث عن متوسط الأجور “يخفي اختلالات كبيرة”، حيث إن 73% من الأجراء في القطاع الخاص يتقاضون أقل من 4000 درهم، و55% يتقاضون الحد الأدنى للأجور أو أقل. ما يكشف عن “تمركز الأجور في الفئات الدنيا” ووجود “فجوة أجرية كبيرة” تجعل هذا المتوسط “مضللا وخادعا”. وأبرز أن 63% من ميزانية الأسر تصرف على الغذاء والسكن، ما يترك هامشا شبه منعدم للادخار أو الإنفاق على باقي الحاجيات.
وفي هذا الإطار، شدد على أن الحد الأدنى للأجور لا يسمح ببلوغ الحد الأدنى للعيش الكريم المحدد في 7000 درهم، معتبرا أن ذلك يدفع الأسر إلى “دوامة الديون”. حيث أصبحت القروض الاستهلاكية “آلية لتعويض ضعف الأجور”، في ظل بلوغ مديونية الأسر 427 مليار درهم سنة 2024.
الضغط الجبائي
وانتقد فيراشين “الضغط الجبائي الكبير” المقابل لـ”ضعف الخدمات العمومية”. ما يجبر المواطنين على اللجوء إلى القطاع الخاص في الصحة والتعليم. معتبرا أن الحماية الاجتماعية لم تتحول إلى “أجر اجتماعي” يخفف العبء عن الأسر.
تسمين المصحات الخاصة
وفي قطاع الصحة، كشف أن الأسر تتحمل 43% من النفقات مباشرة، وهو معدل مرتفع مقارنة بدول أخرى. معتبرا ذلك مؤشرا على “ضعف المنظومة العمومية”. كما حذر من أن 91% من ميزانية التغطية الصحية تذهب إلى المصحات الخاصة، مقابل 9% فقط للمستشفيات العمومية. معتبرا أن البلاد تتجه نحو “تسليع الصحة” و”الضرب في المستشفى العمومي”.
كما اعتبر أن نظام التعويض عن فقدان الشغل يعاني من “شروط تعجيزية”، أبرزها اشتراط 780 يوما من التصريح. ما يؤدي إلى رفض نصف الملفات تقريبا، مع تسجيل عدد محدود من المستفيدين لا يتجاوز 38 ألفا. وتعويض “هزيل” لا يتعدى 70% من الأجر ولمدة ستة أشهر فقط.
أزمة المدرسة العمومية
وفي قطاع التعليم، أكد فيراشين أن المدرسة العمومية تعيش “أزمة حقيقية”، رغم الميزانيات الكبيرة، مشيرا إلى أن أكثر من 300 ألف تلميذ يغادرون الدراسة سنويا، وأن 80% لا يصلون إلى التعليم العالي. وأرجع ذلك إلى اختلالات بيداغوجية واجتماعية ومجالية. محذرا من كلفة الهدر المدرسي التي تصل إلى مليارات الدراهم. ومن تكريس “مدرسة بسرعتين” تعمق الفوارق الاجتماعية.
وأكد فيراشين على أن خلاصات الباروميتر الاجتماعي تكشف عن توجه عام نحو “تفويت الخدمات وتمدد القطاع الخاص” في التعليم والصحة، وسوق شغل “إقصائي”. وإصلاحات تقاعدية “بمنطق محاسباتي”. داعيا إلى مراجعة شاملة للسياسات العمومية بما يضع العدالة الاجتماعية وكرامة الشغيلة في صلب الأولويات.

