بقلم: يوسف اغويركات
لما كنتُ طالبا في الجامعة، وفي خضم معارك الحركة الطلابية وساحات النضال المتعددة، كنتُ كلما تناولتُ الكلمة في اجتماع أو حلقة نقاش أو اعتصام، وكان التوتر يبلغ مداه، يأتي أحد الطلبة ليهمس في أذني أو يقولها بصوت مسموع: “تحدث ولا تبالِ، أنت ومن معك تمثلوننا”.
كان شابا طويل القامة، قوي البنية، تحيط به ثلة من الطلبة والطالبات الذين كانوا يتناوبون على مساندتنا في اللحظات الصعبة. تكرر المشهد أياما طويلة، حتى أصبح جزءا من تفاصيل تلك المرحلة التي لا تُنسى.

وفي ليلة ليست ككل الليالي، والطلاب في اعتصام مساند امتد إلى ما بعد منتصف الليل، بينما كنا داخل التعاضدية باسم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب نتحاور مع قيدوم الكلية حول مطالب الطلبة، وبعد أن انتزعنا قدرا مهما من المكاسب، سنحت لي الفرصة للتعرف إلى ذلك الطالب وإلى رفاقه.
يومها اكتشفت سر ذلك الدعم الصامت والثابت. فقد كانوا ينحدرون من مدينة أبي الجعد، المدينة ذاتها التي شهدت الاعتقال الثاني لجليل طليمات. وجليل، بالنسبة إليهم، لم يكن مجرد مناضل؛ كان أستاذ الفلسفة الذي أحبوه وهم تلاميذ في الثانوية، ذلك المدرس الماهر الذي كان يفتح أمامهم أبواب التفكير الحر. وحين اعتُقل أمام أعينهم، ترك المشهد في نفوسهم جرحا عميقا. ثم جاءت الأخبار تباعا عبر ما كانت تنشره جريدة “أنوال” عن محاكمته ومواقفه، وعما تعرض له من صنوف التعذيب القاسية، وعن صموده الذي لم ينكسر. عندها تحول في وجدانهم إلى رمز للنضال وعنوان للصمود.
وما زلت أذكر كلمات أحدهم، أو ما يكاد يكون نصها: “نحن ليست لنا القدرة على تحليل كل ما تقولونه، ولكن يكفينا أنكم مع جليل”.

وفي اللقاءات الفكرية والسياسية والتنظيمية التي جمعتني بجليل طليمات لاحقا، اكتشفت أن ما رآه فيه أولئك الطلبة لم يكن وهما ولا مبالغة. كان رجلا يخلص للمبدأ حين يشتد الابتلاء، وللقضية حين تشتد العزلة، وللرفاق حين يتخلى عنهم الآخرون. وكان يجمع، في آن واحد، بين صلابة المناضل وعمق المثقف ونبل الإنسان.
ولعل من أبلغ الشهادات في حقه ما ورد على لسان القائد محمد بنسعيد في المؤتمر التأسيسي للمنظمة، حين استحضره بالاسم رمزا للصمود في مواجهة وحشية الجلاد. فالأسماء لا تُذكر في مثل تلك المحافل مصادفة، وإنما تُستدعى حين تختزل تجربة، وتجسد معنى، وتصبح أبلغ من الوصف.
واليوم، بعد كل هذا العمر، أحمد الله أنني عرفت جليل طليمات، وأنني كنت في صفه وفي صف القيم التي دافع عنها. فقد كان من أولئك الرجال الذين لا تُغريهم المنافع ولا تُلينهم الضغوط، ويظلون أوفياء لعهدهم مع المبادئ والقضية والرفاق حتى حين يغيّر كثيرون مواقعهم أو يديرون ظهورهم. وتلك، في تقديري، هي الندرة الحقيقية: أن يبقى الإنسان على ما كان عليه من صدق ونبل واستقامة، في زمن كثُر فيه الحديث عن النضال وقلّ فيه الثبات عليه.

