في السنوات الأخيرة، بدأ النقاش يتسع حول واقع الدراما الأمازيغية وآفاق تطويرها، خاصة في ظل الانتقادات التي توجه إليها بسبب حصرها في قوالب نمطية مرتبطة بالبادية وشخصيات تقليدية بعينها، وبين مطالب التجديد والسعي إلى تقديم أعمال أكثر واقعية وتنوعا، يبرز دور الفنانين في الدفاع عن قدرة الفن الأمازيغي، على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية، شريطة توفر ظروف إنتاجية وإبداعية ملائمة.
في هذا السياق، يؤكد الفنان الأمازيغي حميد اشتوك، أن الإشكال لا يتعلق بقدرات الممثل، بقدر ما يرتبط بطبيعة الكتابة الدرامية والإخراج والإنتاج، معتبرا أن الفنان الأمازيغي يمتلك كل المقومات التي تخوله لتجسيد أدوار مختلفة وفي بيئات متنوعة.
كما يتحدث الفنان ومجسد شخصية “ناصر” في المسلسل الرمضاني “كريمة دإيستيس”، التي تعرض على القناة الأمازيغية طيلة شهر رمضان، عن هذه التجربة وما تمثل بالنسبة له في مساره الفني.
وفي ما يلي نص الحوار الذي خصّ به موقع “سفيركم”.
هناك من يرى أن على الدراما الأمازيعية الخروج من نمطية الأعمال الكوميدية إلى أعمال تتسم بنوع من الواقعية؟
-الأمر ليس كذلك؛ فالكوميديا تبقى فنا يمارس وفق ضوابطه وأساليبه. أمّا ما وصفته بالأعمال التي تتسم بنوع من الواقعية، فالأمر هنا لا يعود إلى الممثل، أو المشخِّص إن جاز التعبير، وإنما يعود إلى الكتّاب والمخرجين والمنتجين والجهات المعنية.
فالممثل الأمازيغي لا ينقصه شيء عن الممثل بالدارجة أو بالفرنسية أو بأي لغة أخرى، شريطة أن تتوفر له نفس الظروف ونفس الإمكانيات ونفس حرية الاشتغال والعمل. وبالتأكيد، إذا توفر سيناريو وإخراج وإنتاج في المستوى، فإن الفنان الأمازيغي يستطيع أن يبدع ويُخرج ما في جعبته.
من أعمال تكرس صورا نمطية معينة إلى محاولات تقديم شخصيات أقرب إلى الواقع؟
-كما قلت، فالمجتمع الأمازيغي لا يختلف عن أي مجتمع آخر؛ ويبقى الأمر فقط مرتبطًا بتوفر ظروف العمل وآليات الاشتغال. وإذا تعلق الأمر بالدراما الأمازيغية، فإنها تتوفر فيها كل ظروف النجاح أسوة بغيرها، شريطة، كما قلت، أن تتوفر لها نفس الإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية. والفنان الأمازيغي يستطيع أن يخرج من الصور النمطية والتقليدية، وبعيدًا عن الدوار والفقيه والشيخ واللباس التقليدي، إلى عالم أكثر تقدمًا، ويُشخّص ويبدع وفق متطلبات هذا العصر، فالفنان الأمازيغي قادر على أداء مختلف الأدوار وفي بيئات متنوعة متى توفرت له شروط الاشتغال والدعم.
صحيح أن الفن الأمازيغي يعاني منذ سنوات من “محاصرة النمطية”، والسبب يعود جزئيًا إلى تردد بعض الكتّاب والمنتجين في كسر الطابوهات وتجريب أفكار جديدة، وهو ما حدّ من تنوع الشخصيات والقصص المعروضة. وهذا التردد أدى إلى تكرار نفس القوالب التقليدية، ما جعل الجمهور يعتاد على نمطية محددة في الأعمال الأمازيغية، خصوصًا في منطقة الجنوب.
وبالتالي يجب إعادة النظر في طبيعة الإنتاجات الأمازيغية، إذ إن توسيع آفاقها وتقديم قصص مختلفة في بيئات متنوعة سيكون عاملًا أساسيًا لإعطاء انطلاقة جديدة للدراما الأمازيغية. كما أن الفنان الأمازيغي قادر على أداء مختلف الأدوار والتعبير عن واقع معاصر إذا توفرت له ظروف العمل المناسبة والدعم الكافي من المنتجين والجهات المعنية. فالإبداع لا يجب أن يُحاصَر داخل قوالب تقليدية أو نمطية، بل يجب أن يتسم بالواقعية ويواكب العصر.
كيف تقيم تجربتك في المسلسل الرمضاني “كريمة دإيستيس”؟

-أداء شخصية “ناصر” في المسلسل الرمضاني “كريمة دإيستيس” يختلف بشكل واضح عن الأدوار الكوميدية والشخصيات التي اعتاد الجمهور أن يراني فيها، وأعتبر هذه التجربة محطة جديدة تشكّل تحولًا نوعيًا في مساري الفني.
فهذا العمل يبتعد عن القوالب التقليدية المرتبطة بالبادية، ويتجه نحو عوالم المال والنفوذ والشركات الكبرى، إضافة إلى فضاءات الفيلات والسيارات الفاخرة، بما يحمل رسالة واضحة مفادها أن الإبداع في الفن الأمازيغي لا تحدّه حدود، وأن الفنان الأمازيغي قادر على تقمص مختلف الأدوار والاشتغال داخل بيئات متعددة، متى توفرت له شروط العمل والدعم اللازم.
ويجسد هذا المسلسل هذا التوجه بوضوح، إذ يسعى إلى كسر النمطية السائدة، ويبرز قدرة الدراما الأمازيغية على مواكبة تحولات المجتمع الحديث وتقديم قصص مشوقة وجريئة تتجاوز الإطار التقليدي المرتبط بـ“الدوار”. كما أن مثل هذه الأعمال تساهم في إبراز الإمكانيات الحقيقية للفن الأمازيغي واستقطاب جمهور جديد، إلى جانب منح الفنانين فرصة التعبير عن قدراتهم وإبداعهم في أدوار مختلفة وغير مألوفة.
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة التفكير في طبيعة الإنتاجات الأمازيغية وتوسيع آفاقها، بما يمكّنها من الوصول إلى جمهور أوسع من متابعي الدراما

