بقلم: لحسن العسبي
قد أكون قاسيا، لكنني وجدت مكناس أشبه ب “أم متعبة” نسيها أبناؤها في “دار تاريخ للعجزة”. حزينةً في كبرياء، تكاد تصرخ بصمت ناطق..
إن المدن بمداخلها ومكناس (التي لا يظلمها التاريخ) تظلمها “الجغرافية البشرية” (من حيث هي امتحانُ صناعةِ المكان تنمويا).. هل هو فشل “نخبها” أم هو عقوق بنيها؟.
شيء ما حزين في بلاد الزيتون.
حين تلج إليها كما لو أنك تغادر مغربا لتدخل مغربا آخر.. كما لو أنك تعود إلى “تعب الثمانينات” حين كانت كثير من مدننا مجرد “قرى كبيرة”.. كما لو أن التنمية المحلية نسيت مكناس هناك في “مغرب الثمانينات”.
عدت إلى توأم مدينة طولكرم الفلسطينية بمناسبة الدورة الجديدة للمعرض الدولي للفلاحة بعد غياب طويل (منذ 1994)، وأحسست كما لو أن “سيدة صهريج السواني” تغوص أكثر في سديم غبش ظلمة الأقبية بدل أن تتقدم بخطو الواثق من نبع دمه في ضياء الزمن الواعد للتنمية.. حتى الهواء فيها (رأسمالها العليل دوما) صار ثقيلا..
نعم رأيت الكثير من بنيها واقفين عند ضفة نهر التاريخ بذات ألقهم القديم، لكنني رأيت في أعينهم قلق السؤال وتعبا حزينا وكثير عتاب..
رأيت “أهل تكرارت” المرابطين بسورهم القديم (الإسم الأمازيغي العتيق المشتق منه معنى “آكرور” الذي هو “السور”).. رأيت الفقيه محمد بن غازي العثماني يغازل مجدها حاملا كتابه “الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون”.. رأيت لسان الدين بن الخطيب يعيد على الأسماع تمجيد سيرة أهلها وهوائها وزرعها وماءها وينتقد أيضا بعض أعطابها.. رأيت سيد الصوفية الونشريسي يردد أوراده الخالدة الممجدة لله في ربوبيته مناجيا قمم صوامعها التي بلا عدد من أقدم مساجدها (مسجد النجارين) حتى مسجدها الأعظم ومسجد للا خناثة بنت بكار ومسجد بريمة ومسجد سيدي سعيد ومسجد الزيتونة والمدرسة البوعنانية.. رأيت مؤرخها الأشهر صاحب “اتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس” عبد الرحمن السجلماسي ابن زيدان معددا سيرتها العطرة في أديم الحياة.. رأيت سيدي بن عاشر وفيا لأيامه بها قبل أن يعانقه تراب سلا.. رأيت صاحب الرباعيات الحكيم سيدي عبد الرحمن المجذوب منبها وهو يردد أبيات قصيدة ابن جابر الغساني:
” لا تنكر الحسن من مكناسة
فالحسن لم يبرح بها معروفا
ولئن محت أيدي الزمان رسومها
فلربما أبقت هناك حروفا”..
رأيتهم واقفين بكبرياء نعم، لكنهم حزانى ولسان حالهم يكاد يجمع في استنكار: “هل هذه البلاد هي البلاد؟”..
كيف أصبحت مكناسة النظيفة دوما بوجهٍ مُغْبَرْ..
أليست سيدة الماء الشهيرة الواقعة عند ملتقى معابر الحضارات مدرسة للعالمين في سيرة النظافة تعلمت منها مدن الأندلس وبلدات الشرق والغرب.. كيف نسيتم حماماتها الموحدية العتيقة (حمام مولاي عبد الله بن أحمد/ الحمام الجديد/ حمام التوتة الصغير/ حمام السويقة المريني).
لقد صنع الماء قصة الحضارة في مكناسة منذ غابر الأزمنة، ما جعلها ذاكرة للفلاحة المغربية برمانها القديم قبل زيتونها الأشهر. أليس فيها جرب المغربي منذ أكثر من 15 قرنا زراعة “الهلالج” (البرقوق)، بل فيها نضج التفاح (المسمى الطرابلسي)، فيها زرع المشمش العسل، فيها السفرجل والإجاص، فيها الرمان السفري (الشهير بميمونة والراهبي)، فيها أيضا نوع الرمان القابسي الشديد الحلاوة، فيها الخوخ والجوز والعنب الأبيض الزلال، فيها أنواع التين (ألذها نوع الشعري والسبتي)..
فكيف يضيع الجمال فيها إلى هذا الحد؟..
هل نسيت الذاكرة أبيات لسان الدين ابن الخطيب:
“حييت يا مكناسة الزيتون
قد صَحَّ عذر الناظر المفتونِ..
طيبُ الهواء وصِحَّةُ الماء الذي
يجري بها وسلامَةُ المخزونِ..”.
مكناس بناها المرابطون نعم، وظلمها قليلا الموحدون مؤكد، لكن أنصفها المرينيون (شهادة ابن خلدون) الذين بنوا فيها بالتوازي حي القصبة مع بنائهم بالعاصمة فاس حي فاس الجديد. الحي الذي هندسوه قبالة “الهديم وظهر السمن”، بكل الجوامع التي رفعوا صوامعها بها (جامع للالة عودة/ ثم سيد الجوامع الجامع الأعظم)، والمدارس التي فتحوها للعلم والدراسة (مدرسة الشهود التي صارت الفيلالية/ مدرسة العطارين)، ثم الصف الطويل من الزوايا (زاوية القورجة التي حولها الفرنسيون إلى مقر للبلدية ومركز الشرطة قبل أن يبنى بها قصر جديد/ زاوية المشاوريين). ثم نسيها السعديون الذين اهتموا بجغرافيات الجنوب المغربي أكثر منذ اختاروا مراكش عاصمة ملكهم إلى جانب تارودانت.. قبل أن يرفعها السلطان العلوي مولاي إسماعيل إلى مجدها الأبقى يوم اختارها عاصمة ملك تنافس بأبوابها الضخمة (باب منصور العلج) باريس الملك لويس الرابع عشر، وخط بها صهريج السواني ومخازن القمح والسلاح والستينية وسجن قارة الفريد في رعبه..
مع هذا السلطان العلوي صارت مكناس منارة قارة وليس عاصمة بلد عريق فقط..
ألم يتغنى بها ابنها الآخر “ابن عبدون” حين أنشد:
“ان تفتخر فاس بما في طيها
وبأنها في زيها حسناء..
يكفيك من مكناسة ارجاؤها
والأطيبان هواؤها والماء..”..
أيها الطيب كيف غادرت إذن حنايا البلد؟.
هل هو العقوق أم قلة الحيلة أم تيه الطريق؟.
كيف صار الهواء فيها ثقيلا؟.
لم صار الشجن وحده ما تطعمه مكناس للعالمين؟..
لم هي الخصومة قائمة فيها بين “حمرية” (مدينة الجنرال الفرنسي) وبين “باب منصور” و”حدائق الحبول” (مجد الملوك العظام)؟.
لم الطريق مُغبَرَّةٌ بين التاريخين؟.
يَدَّعِي بعضهم أن جوار مكناس لفاس ظالم لها.. هذا دَفْعُ الكسول الذي يتخفى خلف “قلة الإرادة”.. فالجغرافية غير الجغرافية هنا وهناك..
إن رأسمال مكناس موقعها كنقطة تلاق بين معابر حاسمة للتنمية شرقا وغربا، شمالا وجنوبا.. إن طريقا آخر سيار بينها وبين تطوان شمالا وبينها وبين الرشيدية جنوبا شرقيا سيعيد سيرة طريق الماء العتيقة بها، طريق الحياة المخصبة الدائمة الجريان..
إن شريان التنمية بين جبال الريف وبلاد جبالة وبين قمم الأطلس المتوسط عبر مكناس سيُعيدُ تعزيز قوة العطاء المغربي فلاحيا ومعدنيا هناك، إلى جانب شريان التنمية الأطلسي الهائل (طنجة – الجديدة) وشريان التنمية الإستراتيجي بين الصحراء وسوس في أفق الشريان الآخر المحوري مغاربيا بين وجدة وفاس والدار البيضاء عبر تازة..
إن للماء طريقه وللجغرافية أحكامها، وكثير من التاريخ تصنعه الجغرافية.. تلك الجغرافية البشرية التي تنتصر لإرادة البناء..
مكناس وجدت لتبقى ولن تموت.. هي فقط ترنو إلى بنيها ونخبها الوفية الحذقة الذكية الصلبة الإرادة ليرفعوا التحدي.. فالحياة قرار والحياة إرادة..

