على غير العادة، مرّت الذكرى الثالثة والخمسون لما تصفه جبهة البوليساريو بـ”انطلاق الرصاصة الأولى” في 20 ماي 1973. دون صدور أي بلاغ عسكري أو إعلان عن عمليات ميدانية. في سابقة لافتة منذ إعلان الجبهة العودة إلى العمل المسلح أواخر سنة 2020.
ويأتي هذا الصمت العسكري في ظرفية حساسة. أعقبت الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة يوم 5 ماي الجاري. والذي خلّف موجة إدانات دولية واسعة. وسط اتهامات مباشرة للجبهة بالوقوف وراء القصف الذي طال مناطق مدنية.
ومنذ تلك الحادثة، اختفت البلاغات العسكرية اليومية التي دأب إعلام البوليساريو على نشرها بشكل متواصل طوال السنوات الخمس الماضية. ما فتح الباب أمام تساؤلات حول تأثير الضغوط الدولية الأخيرة على خطاب الجبهة وتحركاتها الميدانية.
صمت عسكري يثير تساؤلات بعد هجوم السمارة
وفي هذا السياق قال محمد سالم عبد الفتاح رئيس مرصد الصحراء للإعلام وحقوق الإنسان، إن تغيب بلاغات البوليساريو العسكرية خلال تخليدها لما تسميه الذكرى الثالثة والخمسون لإعلانها “الكفاح المسلح” سنة 1973، يطرح دلالات سياسية وإعلامية مهمة. خاصة أن الأمر يأتي على خلاف السنوات الماضية حيث كانت الجبهة الانفصالية تعكف على نشر بيانات دعايتها العسكرية بشكل شبه يومي منذ إعلانها عن تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار أواخر سنة 2020.
وأوضح سالم عبد الفتاح في تصريح لموقع “سفيركم” أن هذا المعطى يكتسي دلالة خاصة. لكونه يأتي مباشرة بعد حادثة استهداف مدينة السمارة بمقذوفات عشوائية. والتي أثارت موجة إدانات دولية غير مسبوقة. أعادت تسليط الضوء على طبيعة التصعيد العسكري وتداعياته على الاستقرار الإقليمي.
وأضاف المتحدث أن ردود الفعل الدولية، وعلى رأسها الموقف الأمريكي. وضعت الجبهة أمام مأزق سياسي ودبلوماسي. بعدما خرج السفير الأمريكي لدى المغرب ريتشارد ديوك بوكان الثالث بإدانة واضحة للهجوم، مع التأكيد على رفض استهداف المناطق المدنية ودعم المسار السياسي والحل السلمي.
كما أشار رئيس مرصد الصحراء للإعلام وحقوق الإنسان في ذات التصريح، إلى أن تصريحات مسعد بولس ذهبت في الاتجاه نفسه. عندما اعتبر أن الهجوم على السمارة يشكل عملا مؤسفا يعرقل جهود التسوية. مشيرا إلى وجود إجماع دولي واسع على إدانة هذا التصعيد.
ضغوط دولية متزايدة تربك تحركات البوليساريو
وأكد رئيس الناشط الصحراوي، أن هذا التطور يعكس تحولا مهما في طبيعة التعاطي الدولي مع العمليات العسكرية المنسوبة إلى البوليساريو. إذ لم يعد الأمر يواجه بصمت أو بردود فعل محدودة. بل أصبح يرتبط مباشرة بمسألة تهديد الاستقرار الإقليمي وتقويض الجهود الأممية الجارية داخل مجلس الأمن الدولي.
واعتبر محمد سالم عبد الفتاح أن التراجع الملحوظ في الخطاب العسكري للجبهة وغياب بلاغات دعايتها العسكرية المعتادة. يمكن فهمه باعتباره محاولة لتفادي مزيد من الضغوط والإدانات الدولية في ظرفية دقيقة يشهد فيها الملف زخما دبلوماسيا متسارعا.
كما سجل المتحدث أن هذا الصمت الإعلامي النسبي يكشف حجم الإحراج الذي خلفته حادثة السمارة لدى خصوم المملكة. خاصة أنها جاءت في وقت تتزايد فيه المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وتتوسع فيه الدعوات إلى حل سياسي واقعي للنزاع.
وأضاف محمد سالم، أن مقذوفات البوليساريو العشوائية. بدل أن تؤثر في موازين الملف لصالح الطرح الانفصالي. ساهمت في تعزيز القناعة الدولية بضرورة حماية الاستقرار ورفض أي انزلاق عسكري قد يهدد المسار التفاوضي الذي ينحو أكثر نحو الطروحات الواقعية والعقلانية.
وختم الناشط الحقوقي تصريحه بالتأكيد على أن البوليساريو تبدو اليوم أمام معادلة معقدة. إذ إن استمرار الخطاب العسكري أو العودة المكثفة إلى البلاغات القتالية قد يفاقم عزلتها السياسية والدبلوماسية. خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المواقف الدولية، وتزايد الربط بين التحركات المسلحة وتهديد الأمن الإقليمي بمنطقة الساحل والصحراء. ما يجعل هامش المناورة أمام الجبهة أضيق مما كان عليه في السابق.

