لا يمثل رأس السنة الميلادية مجرد انتقال زمني أوتقويم جديد، بل فرصة للوقوف على حصيلة سنة بأكملها، بما حملته من إنجازات وتعثرات، كما أنها فرصة لاستشراف ملامح السنة الجديدة، وفي هذا الإطار، استعاد المخرج المغربي هشام الجباري أبرز محطات تجربته الفنية خلال سنة 2025، وقدم تقييمه الشخصي لواقع المشهد الفني المغربي ضمن سياقه العام، كما توقف عند الإكراهات التي واجهها، وكذا الدروس التي استخلصها من هذه السنة، قبل أن يسلط الضوء على اختياراته الفنية القادمة، وطموحه لمستقبل الدراما الوطنية.
وهذا نص الحوار الذي أجرته صحيفة سفيركم الإلكترونية مع المخرج هشام الجباري:
ما هي أبرز الأحداث الفنية التي طبعت سنة 2025 انطلاقا من تجربتك الشخصية كمخرج؟
كانت سنة 2025 محطة مفصلية في مساري الفني، بكل ما حملته من تنوع وتجارب ونجاحات. فقد جرى خلال هذه الفترة توزيع فيلم “أنا ماشي أنا”، الذي اشتغلت عليه سنة 2023، في كل من فرنسا وبلجيكا والكويت، مع تنظيم عروض خاصة له في باريس وعدد من المدن الأوروبية. وقد لقي الفيلم إعجاب الجالية المغربية، إذ اختار بعضهم مشاهدته للمرة الثانية في باريس بعد أن سبق لهم وشاهدوه في المغرب.
وخلال نفس السنة، اشتغلت أيضا على فيلم “عائلة فوق الشبهات”، وهو رابع أعمالي السينمائية، وقد صدر في نهاية العام وما يزال يُعرض إلى حدود الساعة في القاعات السينمائية المغربية، بالنظر إلى الإقبال والنجاح اللذين حققهما. ويشارك فيه كل من عزيز داداس، ماجدولين الإدريسي، رفيق بوبكر، نفيسة بنشهيدة، نبيل عاطف، وآمال التمار، إضافة إلى أيمن رحيم، نهال السلامة، طارق بادر، عدنان سيلفر، لبنى الجوهري، حسان بدور، فاطمة ناجي، إدريس ديوري، ومحمد فاتح.
وعلى مستوى التلفزيون، أنجزت مسلسل “حبيبي حتى الموت” هو عمل مختلف من حيث الشكل والمضمون، وينتمي إلى جيل المسلسلات الحديثة، إذ يتكون من عشر حلقات، مدة كل واحدة منها 42 دقيقة، وقد تم تسليمه للقناة الأولى على أن يُعرض خلال سنة 2026. ويضم العمل نخبة من الأسماء الفنية البارزة، من بينها سامية أقريو، عزيز الحطاب، رشيد الوالي، عدنان موحجة، غاني قباج، بديعة الصنهاجي، فاطمة الزهراء جوهري، الزبير هلال، ومحمد شهير، وسيمو السدراتي إلى جانب أسماء أخرى.
وبشكل عام، كانت 2025 سنة غنية فنيا، سواء على مستوى السينما أو التلفزيون، وهناك اشتغال أيضا على المسرح، غير أنه اقتصر على الكتابة فقط، على أمل أن يرى أحد النصوص النور فوق الخشبة خلال السنة المقبلة.
أنا راض جدا عما قدمته خلال السنة المنصرمة، ولا سيما استمرار توزيع فيلم “أنا ماشي أنا” في القاعات السينمائية بعدد من البلدان، مع تواصل الطلب عليه في بعضها. كما أسعدني النجاح الذي حققته أعمالي الأخرى، سواء تعلق الأمر بفيلم “عائلة فوق الشبهات”، أو بالأعمال التي صورت سابقا وعُرضت خلال سنة 2025، من قبيل “مسك الليل” و”على غفلة”، الذي حظي بنسب مشاهدة مهمة خلال شهر رمضان وما بعده، في شاشة التلفزيون أو عبر منصة “فرجة”، ويظل هذا النجاح دليلا على متابعة الجمهور المغربي للإنتاجات الوطنية، وتقديره للأعمال الدرامية المتميزة التي تحمل بصمة ثقافته وهويته.
ما هو تقييمك لسنة 2025؟
بالنسبة للمجال الفني، فإن المسرح يسير في منحى جيد محققا إقبالا جماهيريا ونفس الأمر ينطبق على بعض الحفلات والفنانين ممن برزوا في سنة 2025، كما كانت هذه السنة فرصة لوصل قطيعة الجمهور مع السينما المغربية، بالنظر للإقبال الكبير على القاعات السينمائية ودور العرض، فيما أصبحت الدراما تتميز وتحجز لنفسها مكانا بين الدراما العربية، ورغم كل هذه المجهودات ما يزال الطريق أمامنا طويلا.
وعلى الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كان الجو العام مختلفا عن باقي السنوات، بسبب حرب غزة وما خلفته من أثر على المستوى الفني، بينما كان وقع القرار الأممي عظيما على المغاربة، إذ أنه قوى من الموقف المغربي وما تلاه من اعترافات دولية بالصحراء المغربية، ودخول المغرب في مرحلة جديدة من التطور الاقتصادي والاجتماعي بما في ذلك، بناء مستشفى ابن سينا الجديد، والملاعب، والبراق، والطرق السيار وغيرها، كلها أحداث كان لها تأثير على الميدان الفني، ناهيك عن النجاحات الأخرى الرياضية والموسيقية وما تخلقه من ضغوطات وأعداء وإكراهات يجب أن نكون واعين بها في ظل انتمائنا لهذا العالم أو القرية الواحدة لإثبات أنفسنا وخلق سوق للمنتوج المغربي في كل المجالات، لذلك يجب أن نتحد كشعب واحد بما فيه من فنانين وإداريين وسياسيين لإبراز المجهودات المبذولة محليا على المستوى العالمي.
ما هي الإكراهات التي واجهتك كمخرج خلال هذه السنة؟
الإكراهات التي أواجهها لا ترتبط بسنة معينة، بل هي صعوبات عامة، وفي مقدمتها الإكراهات المادية والزمنية، إضافة إلى ما تتطلبه بعض الأعمال من مجهود مضاعف، خصوصا على مستوى الكتابة والتحضير، ورغم ذلك، نحاول دائما تجاوز هذه التحديات بالتخطيط والتنظيم.
ومن بين الإكراهات التي أعاني منها أيضا، نقص القاعات السينمائية، فصحيح أنه تمت إضافة قاعتين جديدتين سنة 2025، واحدة في الرباط والأخرى في الدار البيضاء، وهي خطوة إيجابية، لكن أكثر من 90% من المناطق المغربية ما تزال دون قاعات، وهو واقع مؤسف خاصة حين تجد نفسك أمام عمل أنجزته بشغف، وتطلب من منتج أن يموله من ماله الخاص، دون أي دعم، ثم لا تجد فضاءات لعرضه بجميع المدن.
لذلك نؤكد دائما على أهمية انخراط المنتجين الخواص في هذا القطاع، لضمان استمرارية الصناعة السينمائية، وتخفيف العبء عن الدولة، حتى يصبح دعمها موجها لأنواع محددة من الأفلام، من بينها تلك التي تمثل المغرب في المهرجانات الدولية. وفي هذه الحالة، يفترض أن تقوم الصناعة على عناصر واضحة، من جمهور وقاعات ونجوم ومداخيل، لكن الواقع الحالي يجعل توزيع الأفلام يقتصر على مدن محدودة مثل الرباط والدار البيضاء، وأحيانا طنجة ومراكش وتطوان والجديدة بنسب ضعيفة، بينما تبقى بعض المدن محرومة، رغم توفرها على جمهور متعطش لمتابعة الأفلام المغربية، ولا تتاح له سوى فرصة مشاهدة بعض العروض المحتشمة في المهرجانات، بدل عروض تجارية تضمن له حقه في مشاهدة الفيلم في قاعات مريحة، ولو كانت حديثة وصغيرة الحجم.
الإكراه الثاني، في تقديري، هو أن الدراما المغربية ما تزال تفتقد إلى سوق خارجية، فحين تتوفر أسواق خارجية ومنصات متعددة، وتكون قادرا على بيع منتوجك، تصبح أكثر جرأة في الكتابة، وتتسع دائرة المواضيع، وترتفع الميزانيات، ما يسمح بجذب جمهور أوسع. أما اليوم، فنحن ما نزال محصورين في مواضيع محلية، وبإمكانيات محلية، ولقنوات محلية، وهو أمر إيجابي من حيث المبدأ، لكنه لا يكفي لتطوير الصناعة أو تمكينها من المنافسة عالميا أو استمرارها على المدى البعيد.
ومبتغاي الحقيقي هو أن تصل الدراما المغربية إلى جماهير جديدة، وأن تكتشف هذه الأخيرة ثقافتنا وهويتنا ورؤيتنا للعالم، بدل أن نكتفي فقط باستهلاك رؤى الآخرين. ويبقى هذا حقنا المشروع، خصوصا في ظل ما يعرفه المغرب من تطور سياسي واقتصادي ورياضي، وما يرافقه من اهتمام دولي متزايد بالمغرب باعتباره بلدا منتجا لطاقات إبداعية.
وأعتقد أنه من واجب المسؤولين البحث عن أسواق جديدة للدراما المغربية، لأن المنتج المحلي لا يملك لا الإمكانيات ولا شبكة العلاقات التي تخوله تمويل عمل وتسويقه خارجيا، لأنها مهمة المؤسسات والمسؤولين الذين يتوفرون على الوسائل والعلاقات اللازمة، ولو تمكنا من تسويق عمل واحد أو عملين فقط كل سنة في الخارج، فإننا سنحرك عجلة هذه الصناعة، وسيكون الإقبال عليها قويا.
أما المسرح، فبدوره في حاجة إلى مسارح تتلائم مع خصوصية كل مدينة وجمهورها، فالمدن الكبرى تحتاج إلى فضاءات كبرى، والمدن الصغرى إلى فضاءات أصغر، شريطة أن تكون مجهزة مع برمجة منتظمة طيلة السنة، كما أن الاشتغال بمنطق الترويج، وليس المجانية أمرا ضروريا، لأن المجانية تقتل الإبداع والفن، والمطلوب هو أثمنة مناسبة تراعي خصوصية كل مدينة، لأن تعويد الجمهور على أداء مقابل، ولو رمزيا، يرسخ لديه احترام الفن والانتباه له، وربما قد يتأثر به ويصبح مبدعا أيضا.
في نظرك، ما هي الدروس التي يجب استخلاصها من سنة 2025؟
أول درس استوقفني هو هذا الإحساس بتسارع الزمن. بالأمس القريب فقط كنا نعيش على وقع جائحة كورونا سنة 2019، واليوم نحن في سنة 2026. لا أعرف لماذا أصبح هذا الشعور عاما ومشتركا بين الجميع، لكنه يدفعني إلى قناعة أساسية أنه علينا أن نرتب أولوياتنا ونعتني بأنفسنا، وبأسرنا، وبمن نحب، وأن نمنحهم وقتا حقيقيا، لا مؤجلا.
أؤمن اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن الالتزام بالعمل المتقن أهم من اللهث خلف كثرة المشاريع، فعمل واحد أو اثنان بإتقان خير من الآلاف بدون معنى. الزمن يمر بسرعة، والصحة قد تخون، ولا يبقى في النهاية سوى ما أنجزناه بصدق وإخلاص.
ومع الأسف، سنة بعد أخرى، وفي ظل هذا التطور التكنولوجي المتسارع، لم تعد العلاقات الإنسانية كما كانت، حيث دخلت الأسر في دوامة من الصمت والعزلة، وغاب الحوار الحقيقي. أما الهاتف فقد أجهز على دفء العلاقات الأسرية، وعلى لذة الجماعة وحلاوة “اللمة”. كل شيء أصبح سريعا وعابرا؛ الناس لم يعودوا يصبرون على متابعة نصوص مسرحية أو أفلام سينمائية، بل يكتفون فقط بفيديوهات قصيرة “Reels” بلا معنى أو أثر. لذلك أرى أن التشبث بثقافتنا، وهويتنا، وتقاليدنا الأسرية لم يعد خيارا، بل ضرورة قصوى من شأنها أن تعيدنا إلى الإيقاع الذي كنا عليه من قبل.
وما هي الأمور التي تطمح إلى تغييرها أو تطويرها في اختياراتك الفنية خلال السنة المقبلة؟
أطمح إلى الاشتغال أكثر على قصص مختلفة، وأن تصل أعمالي إلى أكبر عدد ممكن من المتلقين داخل المغرب وخارجه. أريد أن أقدم أعمالا تبث الفرح في قلوب الناس، وتوقظ تساؤلات في دواخلهم، وتدفعهم إلى إعادة النظر في علاقاتهم ببعضهم وبمن يحبون. كما أسعى إلى أعمال تحرك فيهم غريزة حب الوطن، وقيم العمل المتقن والشغف والمسؤولية.
دائما ما أحلم بعمل يترك أثرا حقيقيا في نفوس الآخرين، وفي كل مشروع فني أستحضر هذا الطموح، سواء على مستوى المسرح أو السينما أو التلفزيون. وما يهمني في النهاية هو أن أقدم عملا يخلق نوعا من الإشباع لدى المتلقي، رغم يقيني بأن الوصول إلى هذا الإشباع الكامل يظل نوعا ما صعب المنال، لكنه هاجس يراودني في كل عمل أشتغل عليه.
وما هو المستوى الذي تطمح أن ترى الدراما المغربية عليه خلال سنة 2026؟
أتمنى أن تكون سنة 2026 غنية دراميا ومسرحيا وسينمائيا، وأن تشهد الدراما المغربية ميلاد أعمال قوية ومختلفة، سواء بالنسبة لي أو لزملائي، وأطمح أيضا إلى سيناريوهات جريئة ومتنوعة، وأعمال نشتغل عليها بشغف وسعادة، ونقدمها للجمهور بإحساس عميق بالفخر والمسؤولية تجاه الرسالة الفنية التي نحملها.

