بقلم: مصطفى المنوزي
ليست أزمة التشريع اليوم أزمة إنتاج للنصوص القانونية، وإنما هي، في جوهرها، أزمة في إنتاج الشرعية. فالقانون لا يصبح عادلًا لمجرد استكمال مساطر إعداده أو التصويت عليه، وإنما يكتسب مشروعيته الحقيقية عندما يكون ثمرة حوار عمومي حر، وتفاوض مؤسساتي متكافئ، واقتناع جماعي بأن المصلحة العامة قد صيغت بصورة منصفة ومتوازنة.
إن ما يمكن تسميته بـ التشريع الإذعاني يقوم على منطق فرض الإرادة بدل بناء الإرادة العامة. فهو يستثمر اختلال موازين القوة، ويوظف الظرفية السياسية أو الاقتصادية، ويستند إلى خطاب الضرورة والاستعجال، ويبرر اختياراته باسم حماية المال العام أو تحقيق المصلحة العامة، دون أن يخضع هذه الشعارات لاختبار الحوار والمساءلة والإقناع.
وفي المقابل، يقوم التشريع المقنع على نظرية الاكتساب لا على نظرية الاستقطاب. فهو لا يسعى إلى تفتيت القوى الاجتماعية والمهنية وعزلها عن بعضها، وإنما إلى كسب ثقتها وإشراكها في إنتاج القاعدة القانونية، باعتبار أن القانون ليس مجرد أمر نافذ، بل هو عقد اجتماعي متجدد بين الدولة والمجتمع.
ومن هنا تصبح الشرعية التداولية شرطًا لازمًا لجودة التشريع. فالأغلبية العددية، مهما كانت مشروعيتها الدستورية، لا تستطيع وحدها أن تعوض غياب النقاش العمومي الحقيقي، ولا أن تمنح النص القانوني حصانة أخلاقية وسياسية إذا كان قد وُلد في بيئة يغيب عنها التوافق وتكافؤ فرص التأثير في القرار. وتزداد المفارقة عندما تُحسم قوانين استراتيجية بالتصويت النسبي لمن حضر، مع الاحتماء بفكرة النصاب القانوني المفترض، بينما يظل الحضور الفعلي محدودًا بالنظر إلى الأهمية المجتمعية للنصوص المعروضة. فصحة الإجراء ليست مرادفة لعدالة النتيجة، واحترام الشكل لا يعوض ضعف المشروعية التداولية.
إن الديمقراطية التشريعية ليست مجرد عدٍّ للأصوات، وإنما هي قبل ذلك بناء للثقة. فالتصويت يمثل نهاية العملية التشريعية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحوار الذي ينبغي أن يسبقها. وكلما تقلص فضاء الإقناع، اتسع مجال الإذعان، وكلما اتسع الإذعان، تراجعت الثقة في القانون، ولو ظل صحيحًا من الناحية الشكلية.
وفي هذا السياق، يثار سؤال لا يتعلق فقط بمهنة المحاماة، بل بمستقبل الوساطة المؤسساتية في الدولة الديمقراطية: هل تملك جمعية هيئات المحامين بالمغرب المشروعية للدفاع عن مصالح المهنة، وانتقاد العملية التشريعية عندما تراها إذعانية أو مجحفة، أم أن طبيعتها القانونية كجمعية مؤسسة في إطار ظهير 15 نونبر 1958 تجعلها مجرد مخاطب سلبي ملزم بقبول ما ينتجه المشرع؟
إن هذا السؤال، في حقيقته، ينطوي على خلط بين الحق في المشاركة في النقاش العمومي وبين الاختصاص الدستوري في سن القوانين. فلا أحد يدعي أن جمعية هيئات المحامين تملك سلطة تشريعية أو حق الاعتراض الملزم على البرلمان، لكن من غير المقبول أيضًا تجريدها من حقها في الترافع والنقد والاقتراح والاحتجاج السلمي، وهي تمثل مؤسسة مهنية تضطلع بوظيفة دستورية تتصل بضمان حقوق الدفاع وحسن سير العدالة.
إن كون الجمعية منظمة في إطار ظهير الجمعيات لا ينفي عنها صفة الفاعل المدني والمؤسساتي، ولا يحرمها من ممارسة أدوارها الترافعية، تمامًا كما تمارس النقابات والمنظمات المهنية والجمعيات الحقوقية وهيئات أرباب العمل وغيرها حقها في التأثير على السياسات العمومية والتشريعات التي تمس مجالات اختصاصها. فالمعيار ليس هو الشكل القانوني للهيئة، وإنما قيمة الحجج التي تقدمها، ومدى إسهامها في تجويد التشريع وخدمة الصالح العام.
والأخطر من ذلك أن محاولة اختزال مواقف جمعية هيئات المحامين في مجرد دفاع عن مصالح فئوية تتجاهل الطبيعة الخاصة لمهنة المحاماة، باعتبارها إحدى الضمانات الدستورية للحق في الدفاع، وعنصرًا أساسيًا في تحقيق المحاكمة العادلة وسيادة القانون. ومن ثم، فإن انتقاد تشريع يمس استقلال المهنة أو يفرغ رسالتها من مضمونها لا يمكن اعتباره خروجًا عن دورها، بل يدخل في صميم مسؤوليتها الوطنية والمجتمعية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل صدر القانون وفق الإجراءات الدستورية؟ بل أصبح: هل أُنتج القانون في ظل شروط تضمن عدالة المشاركة، وصدق التشاور، وتكافؤ الحجاج، واحترام استقلال الهيئات الوسيطة والتنظيمات المهنية، باعتبارها شريكًا في صناعة المصلحة العامة لا مجرد مخاطب بقرارات جاهزة؟ وهل يمكن لدولة تسعى إلى ترسيخ دولة الحق والقانون أن تضيق على الفاعلين المهنيين حقهم في نقد التشريع، بينما تجعل من المشاركة المواطنة والحوار العمومي ركيزتين من ركائز الحكامة الجيدة؟
إن الدولة القوية ليست هي التي تفرض القانون، وإنما هي التي تُقنع به. والقانون الذي يفتقد إلى قوة الإقناع قد يحقق الامتثال المؤقت، لكنه يعجز عن إنتاج الثقة والاستقرار على المدى البعيد. أما التشريع الذي ينبني على الحوار والإنصاف والاعتراف المتبادل، فإنه يتحول من مجرد نص ملزم إلى قيمة مشتركة، ومن أداة للسلطة إلى ركيزة للعدالة وسيادة القانون.
وعليه، فإن الدفاع الذي تباشره جمعية هيئات المحامين عن استقلال المهنة، وانتقادها لما تعتبره تشريعًا إذعانيًا أجهز على مكتسبات تاريخية، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره منازعة للبرلمان في اختصاصه التشريعي، بل باعتباره ممارسة مشروعة لحق الترافع المؤسسي، وإسهامًا في الرقابة المجتمعية على جودة التشريع. فالمجتمع الديمقراطي لا يقاس بمدى سهولة إصدار القوانين، وإنما بمدى اتساع المجال المتاح لمناقشتها ونقدها وتقويمها قبل أن تتحول إلى قواعد ملزمة للجميع.

