بقلم: عمر لبشيريت
لم تعد السلطوية مجرّد انحراف في ممارسة السلطة، بل غدت “قوة ناعمة” لإدارة الحكم، تقوم على إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فهي لا تحكم فقط بالقبضة الأمنية، بل بمنظومة من الرموز والخطابات والإجراءات التي تجعل الخضوع يبدو كأنه توافق، وتحوّل الانضباط إلى “قيمة وطنية”.
ولا تزدهر إغراءات السلطوية في فترات الأزمات فحسب، بل كذلك – وربما أكثر – في لحظات “الانتصارات”؛ إذ تتسلّل هذه الإغراءات لتقدم نفسها بوصفها خيارا دائما ومنقذا وحيدا، تارة باسم الفعالية، وتارة أخرى بدعوى امتلاك “الشرعية الوحيدة”.
والمفارقة أن السلطويات الجديدة باتت تتغذّى، اليوم، من ضعف الأحزاب نفسها، وأحيانا كثيرة عبر إضعافها عمدا. فالتفكك الحزبي لا يخلّف فراغا سياسيا فحسب، بل يسمح للنظام بأن يظهر بمظهر “الجهة الوحيدة القادرة على ضمان الاستقرار”.
وهكذا، تتراجع السياسة لصالح الإدارة باسم النجاعة، ويتحوّل المواطن إلى “مستهلك للسياسات العامة”، بدل أن يكون شريكا في صياغتها. فنصبح أمام مجتمع يُدار بوسائل ناعمة: إعلام موجَّه، واقتصاد مُمركز، ومؤسسات تحافظ على الشكل الديمقراطي وتفرّغه من مضمونه، إلى جانب استغلال مكثّف ومنظَّم للرموز وتفويت للإنجازات.
وقد شهدنا في المغرب، في الفترات الأخيرة، تسويقا منظما لهذه الإغراءات، ودعوات متزايدة للتخلّي عن الأحزاب وعن السياسة برمّتها، والاكتفاء بـ”مركزية قوية” و”شرعية واحدة”، مع الدعوة إلى إدارة تكنوقراطية تُقصي الوسائط السياسية.
في كل دورة من دورات التاريخ السياسي، حين تتراجع الأحزاب والنقابات ويجري إضعافها، ويُغيَّب التنظيم المستقل للمجتمع، تنهض السلطوية لتملأ الفراغ. فالسلطة لا تحتمل المساحات الخالية: حين ينسحب المواطن من ساحة الفعل، تتقدّم الدولة لتتصرّف باسمه. وحين تخبو أصوات الأحزاب، يعلو صوت الزعيم وحده.
وحين يُفكَّك المجال العام، ذلك النسيج الذي يفصل بين الدولة والمجتمع، ويتآكل، سواء تحت ضغط المراقبة والتحكم أو بسبب العجز الذاتي للقوى الاجتماعية، يصبح المجتمع هشًّا أمام من يحتكر القوة والموارد والرمزية الوطنية.
لكن التاريخ يعلمنا أن السلطوية، مهما بلغت من الصلابة، تبقى هشة أمام عودة السياسة بمعناها الأصيل: حين يعيد المواطنون تنظيم أنفسهم في أحزاب حقيقية، وحين تستعاد النقاشات العامة، ويغدو المجال العام ساحةً للاختلاف لا للمبايعة. عندها فقط يُستعاد التوازن بين القوة والمشروعية، بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والحرية.
فليس الخطر الحقيقي في وجود سلطة قوية، بل في غياب المجتمع المنظَّم. وحين تغيب الأحزاب والقوى الشعبية، لا يبقى في المشهد سوى سلطة تتحدث باسم الجميع، وشعب لا يجد وسيلة للتعبير سوى الصمت أو الانفجار.
السلطويون الجدد يتقنون استغلال هذا الفراغ. يتحدثون بلغة الحداثة، يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام ليتجاوزوا الأحزاب، ويقدّمون أنفسهم كـ”صوت مباشر للشعب” ضد “النخب الفاسدة”. وهكذا تولد إغراءات سلطوية جديدة تتخفّى في ثوب ديمقراطي: تنتخب عبر صناديق الاقتراع، لكنها تحكم بعقلية الطوارئ.
تكمن خطورة السلطوية، كما أظهرت تجارب عدة في أمريكا اللاتينية وآسيا، في تحوّل الوعي الجمعي ذاته: حين يشعر المواطن أن الحرية عبء، وأن الأمن هو القيمة العليا، يصبح الاستبداد خيارا عقلانيا في نظره. عندها تتجاوز السلطوية السياسة لتتحول إلى ثقافة، تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الولاء والخوف بدل المشاركة والمسؤولية.
وفي الحالة المغربية، كما في غيرها من السياقات التي تعرف تراجع الوسائط السياسية، يبرز خطاب متزايد يدعو إلى تركيز السلطة في يد جهة معينة، بحجة أن الأحزاب ضعيفة، والمجتمع مشتّت، وأن الإصلاح يتطلب “قيادة حازمة”. يجد هذا الخطاب صدى لدى فئات من الرأي العام سئمت من البيروقراطية الحزبية ومن السياسة نفسها، فتميل إلى تصديق أن الحل يكمن في “ملكية تنفيذية” قادرة على الحسم والإنجاز، مسنودةً ببيروقراطية تكنوقراطية.
غير أن التجارب الدولية تظهر أن السلطوية النابعة من “النجاعة الظاهرة” تنتهي غالبا إلى العجز البنيوي. ففي أمريكا اللاتينية وشرق أوروبا، جربت صيغ شبيهة من “المركزية الإصلاحية” التي برّرت تركيز القرار باسم الفعالية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى أنظمة مغلقة تُقصي المشاركة وتشل الدينامية المجتمعية. فعندما تختزل الدولة في مؤسسة بعينها، تفقد مؤسساتها القدرة على المبادرة، ويتحول المواطن إلى متفرج ينتظر التوجيه بدل أن يكون فاعلا.
الخطر الأكبر لا يتهدد المجتمع وحده، بل يمس الملكية نفسها، إذ تصبح المؤسسة الملكية مسؤولة مباشرة عن كل شيء: عن النجاح والفشل، عن الأزمات والقرارات، وعن تفاصيل الحياة اليومية التي كانت توزع تقليديا بين الحكومة والأحزاب والإدارات. وحينها يتآكل أحد أهم مقومات الاستقرار الملكي، أي المسافة التحكيمية التي تجعل الملك رمزا جامعًا فوق الصراع، لا طرفًا فيه.
من جهة أخرى، يؤدي إضعاف الأحزاب إلى تعطل آليات الوساطة السياسية التي تحمي الدولة من ضغط الشارع ومن التشنجات الاجتماعية. ففي الأنظمة السلطوية، حين تنعدم القنوات الوسيطة، تصبح المطالب الشعبية بلا ترجمة مؤسساتية، فلا تجد سوى الاحتجاج أو الانفجار سبيلًا للتعبير. في المقابل، حين تبقى الأحزاب والنقابات فاعلة، فإنها تمتص الغضب وتحول الصراع الاجتماعي إلى حوار منظم.
التجارب المقارنة، من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، أثبتت أن تركيز السلطة لا يصنع استقرارا دائما، بل يخلق هشاشة مضمرة. فكلما غابت المؤسسات الوسيطة، ازداد اعتماد النظام على الشرعية الشخصية، وتراجعت قدرته على التكيّف مع الأزمات. والمفارقة أن خطاب الفعالية الذي يبرر هذه المركزية ينتهي إلى عكس ما وعد به: بطء في القرار، خوف من المبادرة داخل الجهاز الإداري، وتضخم في التبعية بدل روح المسؤولية.
وفي تاريخ المغرب الحديث، يتبيّن أن الخطر الحقيقي لم يأت من المجتمع، بل من “المخزن” ومن تغول التكنوقراط. فسواء خلال نفي السلطان محمد الخامس أو في المحاولتين الانقلابيتين في عهد الحسن الثاني، كان التهديد المباشر صادرًا من داخل المنظومة السلطوية ذاتها (من العلماء والقياد والباشوات والبيروقراطية الأمنية والعسكرية…)، بينما ظل المجتمع هو الحامي والملاذ.
تُظهر كل التجارب السياسية في العالم أن السلطوية لا تزول بالانتخابات فقط، بل بعودة السياسة الحقيقية: تلك التي لا تختزل الشعب في جمهور، ولا الدولة في زعيم، بل تفتح المجال أمام التعدد، والتفاوض، والمساءلة.
إن نشوة الإغراء السلطوي تتغذى من هشاشة القوى السياسية وتفكك المجال العام، وهي هشاشة لا تحدث صدفة، بل تُغذى أحيانا عمدا لتمنح “شرعية” للخطاب السلطوي.
لكن على المدى الطويل، فإن إضعاف الأحزاب والنقابات وقوى المجتمع لا يضر الحياة السياسية فحسب، بل يجرد الدولة من وسائط الحماية الاجتماعية. ويُظهر تاريخ السلطويات الحديثة أن الأنظمة التي تضعف أحزابَها تضعف نفسَها في النهاية، لأنها تفقد القدرة على التمثيل والتجديد والمرونة.
إن النجاعة السياسية الحقيقية لا تقاس بسرعة القرار، بل بقدرته على الصمود والاستمرارية. والأنظمة التي تحافظ على توازن دقيق بين سلطة القرار ومؤسسات الوساطة، هي وحدها التي تنجح في الجمع بين الاستقرار والمشروعية. أمّا تلك التي تراهن على الزعيم أو الملك أو المخلّص، فقد تكسب الزمن القصير، لكنها تخسر الزمن الطويل.

