بقلم :بوشعيب شكير
حين تحدث وزير الصحة مؤخرًا عن ضرورة تعزيز الانضباط داخل المؤسسات الصحية، كان من الطبيعي أن يثير ذلك نقاشًا واسعًا حول واقع القطاع. غير أن أي حديث عن الانضباط سيبقى مبتورًا إن لم يتناول بشكل مباشر وجريء ظاهرة الموظفين الأشباح، التي تشكّل أحد أبرز عناوين الفساد الإداري والمالي في بلادنا.
هذه الظاهرة ليست مجرد غياب جسدي لموظف عن مكتبه أو مصلحة صحية، بل هي ترسيخ لثقافة الإفلات من المسؤولية، وتطبيع مع استنزاف المال العام. فحين يُصرف الراتب الشهري لعشرات أو مئات الأشخاص الذين لا يزاولون مهامهم، أو يغيبون بشكل مزمن تحت حماية جهات متواطئة، فإننا أمام معضلة تمس جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
من الزاوية المالية: الموارد المخصصة لتقوية القطاع الصحي تُهدر على أجور وهمية، في وقت تئن فيه المستشفيات من خصاص مهول في الأطر والتجهيزات.
من الزاوية الأخلاقية: يُصاب الموظف الملتزم بالإحباط حين يرى زملاء غائبين يكافَؤون بالصمت أو التستر، فيتراجع الحافز للعمل وتتسع دائرة اللامبالاة.
ومن الزاوية المؤسساتية: تُفقد هذه الظاهرة المرفق الصحي مصداقيته أمام المواطنين، وتُضعف قدرة الدولة على فرض هيبتها كضامن للخدمة العمومية.
الحلول هنا لا يمكن أن تكون شكلية أو تقنية فقط، بل تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تبدأ من:
حصر شامل للموظفين الأشباح،
عزلهم نهائيًا واسترجاع الأموال المصروفة دون وجه حق،
وتحديد المسؤوليات بدقة لمحاسبة من تستروا على هذه الجريمة الإدارية.
وهنا يبرز دور النقابات والهيئات المهتمة بحماية المال العام والشفافية، التي يقع على عاتقها فضح هذه الممارسات، وتقديم شكاوى في الموضوع، بدل الاكتفاء بالصمت أو المجاملة. فالمعركة ضد الموظفين الأشباح ليست فقط مسؤولية الدولة، بل معركة مجتمعية تهم الجميع.
إن بناء ثقافة الانضباط لا يقتصر على التلويح بالعقوبات أو إصدار المذكرات، بل يتطلب إعادة الاعتبار لضمير الموظف ولمكانة المؤسسة. فالإصلاح الصحي، قبل أن يكون تجهيزات أو قوانين، هو بالأساس حضور حيّ للإنسان داخل المؤسسة، والتزام حقيقي بروح الخدمة العمومية.
فمن دون القضاء على ظاهرة الموظفين الأشباح، سيبقى أي حديث عن الانضباط أو الإصلاح مجرد ترف لغوي لا أكثر.

