قال عبد العالي بنلياس، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط. إن قراءة نتائج الانتخابات التشريعية المغربية خلال العقود الأخيرة تكشف حقيقة سياسية أساسية تتمثل في الهيمنة المتواصلة للتيار الليبرالي على الحياة السياسية والمؤسسات المنتخبة. مقابل تراجع ملحوظ لتمثيلية أحزاب اليسار. معتبرا أن هذا المعطى يعد من أبرز الثوابت التي تميز المشهد الحزبي المغربي عشية الاستعداد للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.
وأوضح بنلياس، خلال مداخلته في الندوة العلمية المنظمة يوم الاثنين 22 يونيو تحت عنوان “انتخابات 2026: القانون، الفاعلون، والتحديات الديمقراطية”. أن النقاش حول الانتخابات غالبا ما ينشغل بالقوانين الانتخابية ونمط الاقتراع والعتبة الانتخابية. في حين أن المعطيات الرقمية المتراكمة منذ سنوات تكشف تحولات أعمق مرتبطة بالبنية الإيديولوجية للحياة السياسية المغربية وموازين القوى الحقيقية داخل البرلمان.
وأشار إلى أن محاولة رسم خريطة إيديولوجية دقيقة للأحزاب المغربية تظل مهمة معقدة بسبب غموض الهوية الفكرية لعدد من التنظيمات السياسية. متسائلاً: “من هو الحزب المحافظ في المغرب؟ هل هو حزب الاستقلال أم حزب العدالة والتنمية؟ ومن هو الحزب الإسلامي؟ وهل يمكن دائما الفصل بوضوح بين المرجعيات السياسية للأحزاب؟”. وهو ما يجعل التصنيف الإيديولوجي عملية نسبية أكثر منها حكما نهائيا.
ورغم هذه الصعوبات، أكد أن الأرقام الانتخابية تسمح برصد اتجاهات واضحة داخل المشهد السياسي. فبالعودة إلى انتخابات سنة 2011، أوضح أن حزب العدالة والتنمية، باعتباره حزبا ذا مرجعية إسلامية، حصل آنذاك على 107 مقاعد. غير أن القراءة الإجمالية للخريطة البرلمانية تكشف أن الأحزاب الليبرالية كانت تمتلك الأغلبية الفعلية داخل مجلس النواب بما مجموعه 166 مقعدا. مقابل 65 مقعدا فقط للأحزاب اليسارية و60 مقعدا للأحزاب المصنفة ضمن التيار المحافظ.
واعتبر أن هذه النتائج شكلت أول مؤشر واضح على اتساع نفوذ التيار الليبرالي داخل المؤسسات المنتخبة. رغم أن الأنظار كانت تتجه آنذاك نحو صعود حزب العدالة والتنمية وتصدره للمشهد الانتخابي.
وأضاف أن هذا التوجه لم يتراجع خلال الانتخابات اللاحقة، بل تعزز بشكل أكبر. ففي انتخابات 2016 ارتفعت حصة الأحزاب الليبرالية إلى 199 مقعدا داخل مجلس النواب، بينما تراجعت المقاعد التي حصلت عليها أحزاب اليسار إلى 35 مقعدا فقط. وهو ما اعتبره مؤشرا قويا على الأزمة التي بات يعيشها اليسار المغربي من حيث الحضور الانتخابي والتمثيلية المؤسساتية.
وتابع أن انتخابات 2021 كرست هذا المنحى بشكل أوضح. بعدما تمكنت الأحزاب الليبرالية من الظفر بـ240 مقعدا برلمانيا. مقابل 61 مقعدا فقط لمجموع الأحزاب اليسارية. ما يعني أن التيار الليبرالي أصبح القوة السياسية المهيمنة بلا منازع داخل مجلس النواب.
وقال بنلياس إن هذه الأرقام لا تترك مجالا كبيرا للشك بشأن طبيعة التوازنات السياسية القائمة اليوم. مضيفا أن “الذي يهيمن على الحياة السياسية المغربية هو التيار الليبرالي”. بينما لم تعد أحزاب اليسار، حتى عندما تحتسب مجتمعة. قادرة على تحقيق تمثيلية تمكنها من التأثير الحقيقي في موازين القوى داخل المؤسسات المنتخبة.
وربط هذا التحول بعدد من المتغيرات التي عرفها النظام الحزبي المغربي خلال العقود الأخيرة. وفي مقدمتها تراجع الأحزاب ذات الامتدادات الإيديولوجية والاجتماعية التقليدية. مقابل صعود أحزاب تعتمد على منطق التدبير والنجاعة والبراغماتية السياسية أكثر من اعتمادها على المرجعيات الفكرية الصلبة.
وفي سياق متصل، شدد المتحدث على أن الاختلالات التي يعرفها المشهد الحزبي لا يمكن تفسيرها فقط من خلال نمط الاقتراع أو القوانين الانتخابية. مستحضرا الجدل الطويل الذي رافق العتبة الانتخابية والقاسم الانتخابي خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن الدولة والأحزاب السياسية دافعت في مراحل مختلفة عن تعديل هذه الآليات بدعوى توسيع تمثيلية الأحزاب داخل البرلمان. غير أن النتائج لم تؤكد هذه الفرضية. فبالرغم من الانتقال من عتبة 6 في المائة إلى 3 في المائة ثم إلغائها نهائيا، لم تتوسع التمثيلية الحزبية بالشكل المنتظر.
واستدل على ذلك بانتخابات 2021 التي شارك فيها 32 حزبا سياسيا. بينما لم يتمكن من دخول مجلس النواب سوى 12 حزبا. وهو ما اعتبره دليلا على أن أسباب ضعف التمثيلية الحزبية توجد خارج نمط الاقتراع. وترتبط أساسا بضعف التأطير السياسي والاجتماعي للأحزاب وعدم قدرتها على توسيع قواعدها الانتخابية.
كما سجل بنلياس أن النظام السياسي المغربي ما زال ينتج حكومات ائتلافية بشكل دائم. بسبب استحالة حصول أي حزب على أغلبية مطلقة تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده. غير أن هذه التحالفات، حسب قوله، لم تعد تقوم على الانسجام الإيديولوجي أو التقارب البرنامجي. بل أصبحت تخضع أساسا لمنطق الأغلبية العددية.
وأوضح أن الحكومات المتعاقبة باتت تجمع داخلها أحزابا ليبرالية ومحافظة ويسارية وإسلامية في الوقت نفسه. ما جعل البعد الإيديولوجي يتراجع لصالح اعتبارات التوازنات السياسية وتدبير الأغلبية البرلمانية.
واعتبر بنلياس أن أحد الأسئلة المركزية التي ستطرحها انتخابات 2026 يتعلق بقدرة الأحزاب ذات المرجعية اليسارية على استعادة جزء من حضورها داخل المؤسسات المنتخبة. أو استمرار المنحى الذي أفرزته الانتخابات السابقة والقائم على تعزيز الهيمنة الليبرالية داخل البرلمان والحياة السياسية المغربية. في ظل استمرار تراجع التأطير الحزبي وضعف المشاركة السياسية واتساع الهوة بين الأحزاب والناخبين، خصوصا فئة الشباب.
يتجه تحالف مكونات الأغلبية البرلمانية المكونة من أحزاب الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، والاتحاد الدستوري، مع مكونات…
بحث وفد من جمهورية أديغيا الروسية، خلال زيارة إلى المغرب، سبل تعزيز التعاون الثقافي المغربي…
شهدت جلسة لحنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين اليوم، رفع أعضاء مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية…
بقلم: إيمان بصدوك (باحثة في علم الاجتماع) تقديم: تُعد المجتمعات الأبوية مجالا خصبا لتشكل علاقات…
احتفت باريس، مساء الأحد، بالتراث اليهودي المغربي خلال حفل موسيقي خصص للسلام والأخوة، تزامنا مع…
أكد عبد العالي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن…
This website uses cookies.