بقلم: حسن حمورو
لم يكن الفيديو الذي جرى تداوله أخيرا، والذي يوثق لمجموعة من الأشخاص يؤدون ما يشبه طقوسا ذات طابع يهودي بمحاذاة السور التاريخي لمدينة مراكش، مجرد واقعة يمكن إدراجها في خانة السلوكات الفردية المعزولة، ذلك أن ما أثاره من تفاعل واسع، وما خلفه من أسئلة عميقة، يكشف أنه يمس منطقة حساسة تتقاطع فيها الذاكرة بالتاريخ، والدين بالسياسة، والسيادة الرمزية بالتحولات الجيوسياسية.
إن المغرب، بمراكش وغيرها من حواضره العريقة، لم يكن يوما فضاءا منغلقا أو طاردا للاختلاف الديني، بل على العكس من ذلك، فقد راكم المغرب نموذجا متميزا في الحوار والتعايش، حيث احتضنت أرضه عبر قرون مكونات دينية وثقافية متعددة، ضمن نظام اجتماعي واضح المعالم، يوازن بين حرية المعتقد واحترام الخصوصيات المجالية والمؤسساتية لممارسة الشعائر، وهذا التوازن الدقيق هو ما جعل من التعدد رافدا للغنى، لا مدخلا للفوضى أو التوظيف.
غير أن ما جرى بمراكش، يوحي بمحاولة نقل ممارسة ذات حمولة دينية ورمزية، من سياقها الطبيعي والمؤطر إلى فضاء عام مفتوح، دون اعتبار لما يحمله المكان من دلالات تاريخية مشتركة، ودون احترام لما استقر عليه العرف المجتمعي في المغرب من ضوابط.
وهنا يكمن جوهر الإشكال، الذي ليس في الدين في حد ذاته، ولا في أحقية أتباع كل ديانة في ممارسة شعائرهم، بل في كيفية ومكان هذه الممارسة، وفي الرسائل الضمنية التي قد تفهم منها، خاصة في سياق إقليمي ودولي مشحون.
إن السور التاريخي لمراكش ليس مجرد معلمة عمرانية صامتة، بل هو جزء من ذاكرة جماعية متراكمة، تشكلت عبر قرون من التفاعل الإنساني والسياسي والثقافي، ومن ثم، فإن أي سلوك يُؤدى بمحاذاته لا يمكن فصله عن حمولته الرمزية، ولا عن قابلية تأويله داخل وعي جماعي يقظ تجاه كل ما يمس تاريخه وهويته.
الأمر، إذا، يتجاوز حدود الواقعة في بعدها الظاهري، ليطرح سؤالا أعمق حول محاولات محتملة لإعادة تشكيل الفضاء الرمزي في المغرب، أو إدخال ممارسات ذات دلالات ملتبسة، قد تفهم كجزء من مسار أوسع لتطبيع ثقافي ورمزي مع قضايا ما تزال جراحها مفتوحة في الوجدان العربي والإسلامي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
ومن هنا تبرز ضرورة التعاطي المسؤول مع مثل هذه الوقائع، بعيدا عن التهويل أو التبسيط، ففتح تحقيق دقيق في ملابسات الحدث، وتحديد طبيعته وخلفياته، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو مدخل أساسي لحماية التوازنات المجتمعية وصيانة الثوابت، كما أن استحضار السياق العام، بما فيه من حساسيات سياسية ورمزية، يفرض نوعا من اليقظة الجماعية التي لا تفرّط في قيم التسامح، ولا تسمح في الآن ذاته بتسييب المجال أمام ممارسات قد تُسيء فهم هذا التسامح والتعايش أو تستغلهما.
إن مراكش، بما تمثله من عمق تاريخي وحضاري، ليست في حاجة إلى إثبات انفتاحها، لكن هذا الانفتاح ذاته يقتضي وضوحا في الحدود، وصونا للذاكرة، واحتراما للمعاني التي تختزنها الأمكنة، فالتعايش لا يعني تمييع الخصوصيات، كما أن الحرية لا تعني غياب الضوابط.
بكلمة، قد يكون أخطر ما في مثل هذه الواقعة ليس ما وقع فعلا، بل ما يمكن أن تؤسس له إن تركت دون مساءلة أو تأطير، ولذلك، فإن الرهان الحقيقي يظل في القدرة على حماية النموذج المغربي في توازنه الدقيق الذي يجمع بين الانفتاح والهوية، وبين التعدد والسيادة الرمزية، دون أن يسقط في فخ الاستفزاز أو الاستتباع.
يواجه المغرب تحديًا هيكليًا في تأمين حاجياته من الزيوت النباتية، حيث لا يزال يعتمد على…
تواجه المنظومة الدولية تحدياً غير مسبوق مع تزايد هيمنة الخوارزميات على صناعة القرار، وهو ما…
نظمت هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، اليوم الخميس، ندوة لتقديم حصيلة عشر سنوات من عملها.…
تتجه كلفة الحوار الاجتماعي في المغرب نحو تسجيل أرقام غير مسبوقة بتخصيص 45 مليار درهم…
كشف عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن المعدل الحقيقي لتراجع القطيع الوطني…
بقلم: لحبيب شباط، صحفي و محلل سياسي. فاعل حزبي بإسبانيا يمر المغرب بمنعطف تاريخي وحاسم؛…
This website uses cookies.