أعمدة رأي

تجديد النخب السياسية بالمغرب: ضرورة استراتيجية أمام رهانات كبرى

بقلم: لحبيب شباط، صحفي و محلل سياسي. فاعل حزبي بإسبانيا

يمر المغرب بمنعطف تاريخي وحاسم؛ فبين انتخابات تشريعية مرتقبة هذا العام، واستحقاقات محلية وجهوية في العام المقبل، يجد المغرب نفسه أمام استحقاقات تتجاوز مجرد التنافس الحزبي. ففي ظل التحولات الإيجابية والحاسمة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، والاستعدادات لاحتضان كأس العالم 2030، تكتسي هذه المواعيد الانتخابية أهمية استراتيجية قصوى، تفرض على البلاد ربح رهانات المستقبل بنخب متجددة، قادرة على قيادة هذه المرحلة بفعالية.

يشكّل انفتاح الأحزاب السياسية على الكفاءات والوجوه الجديدة أحد أبرز التحديات التي تواجه مسار تحديث العمل السياسي. ورغم الخطاب الرسمي المتكرر حول ضرورة “ضخ دماء جديدة” واستقطاب الطاقات الوطنية من الداخل والخارج، إلا أن الممارسة الميدانية تكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب والواقع، تعود بالأساس إلى بنية الأحزاب ومنطق اشتغالها “البراغماتي” خلال المحطات الانتخابية.

تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية جسيمة في هذا الصدد؛ إذ غالباً ما تجد صعوبة في التخلي عن “الأعيان” ومحترفي الانتخابات، لكونهم يشكلون رصيداً انتخابياً جاهزاً يضمن المقاعد والأصوات. وفي ظل نظام انتخابي وتنافس محلي تحكمه أحياناً اعتبارات النفوذ الاجتماعي والقدرة على التعبئة المالية والقبلية، يتراجع معيار الكفاءة لصالح “الولاء الحزبي” أو “القدرة على الحشد”، مما يحول دون وصول طاقات فكرية وإصلاحية إلى مراكز القرار.

وعندما تدق ساعة الحسابات الانتخابية، يتراجع شعار التجديد أمام منطق “المردودية”. فبدل أن تكون الانتخابات محطة لإعادة تشكيل النخب وإدماج الكفاءات، تتحول في كثير من الأحيان إلى عملية “إعادة إنتاج” لنفس الوجوه مع تعديلات شكلية طفيفة. تُمنح الأولوية لمن يُعتقد أنه “الأوفر حظاً” للفوز بالمقعد، لا لمن يحمل رؤية تحديثية أو مشروعاً مجتمعياً متكاملاً.

هذا الواقع يكرس نوعاً من الاغتراب السياسي لدى الكفاءات الشابة، سواء داخل الوطن أو في صفوف مغاربة العالم، الذين يجدون أنفسهم أمام “سياج حزبي” وشروط غير متكافئة للولوج. والنتيجة الحتمية هي تعميق الفجوة بين الأحزاب والمجتمع، وإضعاف جاذبية العمل الحزبي لدى الفئات المتعلمة والواعية.

إن تجاوز هذه المحدودية رهين بوجود إرادة سياسية حقيقية داخل الهيئات الحزبية، تتجلى في:

  1. مراجعة آليات التزكية: اعتماد معايير شفافة تقوم على النزاهة والقدرة الفكرية والتأطيرية.
  2. تكريس الديمقراطية الداخلية: فتح المجال للمنافسة الشريفة داخل الحزب بعيداً عن سياسة التعيين والولاءات الضيقة.
  3. الاستثمار في نخب الغد: جعل التجديد عقيدة حزبية مستمرة وليس مجرد شعار موسمي.

إن نجاح أي إصلاح سياسي يظل رهيناً بتجديد حقيقي للنخب. والأحزاب اليوم أمام مسؤولية تاريخية: فإما الاستمرار في إعادة إنتاج الوجوه ذاتها -بكل ما يحمله ذلك من مخاطر فقدان الثقة- أو الانخراط في مسار إصلاحي جريء يفتح الأبواب للكفاءات القادرة على قيادة المغرب نحو أفق 2030 وما بعده بطموح وثبات.

Shortened URL
https://safircom.com/xjsl
ادريس بيكلم

Recent Posts

آسية بنصالح العلوي تدعو لحكامة عالمية تواجه “تغول” الذكاء الاصطناعي

تواجه المنظومة الدولية تحدياً غير مسبوق مع تزايد هيمنة الخوارزميات على صناعة القرار، وهو ما…

6 دقائق ago

هيئة مراقبة التأمينات تستعرض حصيلة 10 سنوات في قطاع “يتغير باستمرار”

نظمت هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، اليوم الخميس، ندوة لتقديم حصيلة عشر سنوات من عملها.…

36 دقيقة ago

الحوار الاجتماعي يرفع متوسط أجور موظفي المغرب لـ10,600 درهم

تتجه كلفة الحوار الاجتماعي في المغرب نحو تسجيل أرقام غير مسبوقة بتخصيص 45 مليار درهم…

ساعة واحدة ago

بووانو يكشف نسبة تراجع القطيع الوطني بين 2021 و2025

كشف عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن المعدل الحقيقي لتراجع القطيع الوطني…

ساعتين ago

جبهة البوليساريو تتلقى “ضربة مزدوجة” في أبريل

يشهد شهر أبريل الجاري تطورات لافتة في ملف الصحراء المغربية. حيث تلقت جبهة البوليساريو الانفصالية…

3 ساعات ago

مراكش تحتضن الدورة 4 لمهرجان الكتاب الإفريقي

تحولت مدينة مراكش، اليوم الخميس، إلى عاصمة للأدب القاري مع انطلاق فعاليات الدورة الرابعة من…

3 ساعات ago

This website uses cookies.