بقلم: عمر لبشيريت
ترتفع أصوات متعددة، مدفوعة بمصالح متباينة، لتقديم فكرة مفادها أن الصراع والتناقض الأساسي في المغرب هو بين «الإسلاميين» (الخوانجية) و«الحداثيين». وأن الخطر الأكبر يتمثل في مواجهة «المشروع الإسلامي».
وقد استُعمل هذا الشعار كثيراً، وما يزال يُستعمل، ويُقدَّم أحياناً باعتباره مهمة مصيرية، وأنه التقاطب الوحيد الذي ينبغي أن يسود.
فهل الأمر فعلاً بهذه الصورة؟ أم أنه مجرد محاولة لإخفاء تناقض آخر واقعي، وصرف الانتباه عنه؟
على مستوى الشارع المغربي، وفي معيشة الناس اليومية، لا صوت يعلو فوق صوت تناقض آخر أكثر وضوحاً: الفساد، والغلاء، والفقر، والبطالة، والهدم والترحيل، وتغوّل «الفراقشية».
وخلال العقود الثلاثة الأخيرة، خرج الناس من أجل الديمقراطية، وضد الفساد، وللمطالبة برفع الأجور وتحسين خدمات الصحة، وأحياناً من أجل أبسط الحقوق، كـ«الزفت» لشق الطريق في أعالي الجبال، أو الحق في «الريزو».
وقد خرجت أغلب قطاعات المجتمع والوظيفة العمومية، في الجبال والسهول والهضاب، وفي الشمال والجنوب والشرق والغرب، دفاعاً عن مصالحها وتحسين ظروف عملها. وكانت الشعارات المرفوعة تدور حول العدالة والتنمية والديمقراطية ومحاربة الفساد. كما خرج المغاربة أيضاً من أجل غزة.
أما المناسبة الوحيدة التي خرج فيها «الناس» «ضد الدين»، فكانت في شكل مسيرة عجيبة وغريبة، لم يتبنَّها أحد ولم يتزعَّمها أحد، ولا يزال المغاربة إلى اليوم يعتبرونها أحسن «سيتكوم» ساخر في تاريخ المغرب. مسيرة ولد زروال ، كانت إحدى الأفكار البليدة لمحاولات دؤوبة لخلق اصطفاف وهمي، عبر اختراع مواجهة مع «الخطر الإسلامي».
ثم، هل يوجد أصلاً «برنامج إسلامي» في مواجهة «برنامج حداثي» في المغرب اليوم؟ من يتزعم هذا؟ ومن يقود ذاك؟
ألم تلجأ الدولة إلى خدمات «الإسلاميين» لعبور عاصفة الربيع العربي؟ ألم توظف الدولة الدين في السياسة خلال حملة الدستور، وأنزلت «السلفيين» والزوايا إلى الشارع للدفاع عن الدستور؟!
أين هو «المشروع والخطر الإسلامي» أصلاً، ومن يقوده، ومن يطرحه؟
إن محاولة تهريب النقاش عن القضايا الحقيقية، واختلاق خصم أو عدو وهمي، والإيحاء بأن معركة المغاربة اليوم يجب أن تُخاض وفق هذه المعادلة، تتجاهل أن «الإسلاميين» حكموا لعشر سنوات، لا يتذكر منها المغاربة سوى صندوق المقاصة، والاقتطاع من التقاعد، و«ساعة رونو».
كما يتناسى دعاة هذه «المعركة» أن أربع سنوات من حكم «الحداثيين» لا يتذكر منها المغاربة سوى تغوّل «الفراقشية»، والارتفاع المهول في الأسعار. وأن 75% من الأسر صرحت بتدهور مستوى المعيشة خلال الاثنا عشر شهراً الماضية، وأن 37.59% منها لجأت إلى الاقتراض، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط.
هذه هي معارك المغاربة الحقيقية، وهذه هي قضاياهم الفعلية.
فلم ينزل سكان آيت بوكماز ضد «المشروع الإسلامي»، بل من أجل «الشانطي» و«الريزو»، وطبيب واحد ومدرسة واحدة. نزلوا من الجبال للمطالبة بالالتحاق بـ«مغرب 2026»، لا غير.
كما لم تخرج ساكنة الريف ضد «البرنامج الإسلامي»، بل من أجل العدالة المجالية والديمقراطية، وضد التهميش. وقبلهم انتفض سكان تازة وجرادة وسيدي إفني، ونساء فكيك، ضد العطش والحكرة والتغوّل والتهميش.
فهل طبق بنكيران والعثماني «برنامجاً إسلامياً»؟ وهل كان عزيز أخنوش يطبق «برنامجاً حداثياً»؟
لا هذا ولا ذاك. لقد كانوا جميعاً تلاميذ نجباء للبنك الدولي والصندوق الإفريقي للتنمية. لم يُغلقوا الحانات والملاهي، ولم يمنعوا المهرجانات، كما أن التظاهرات التي خرجت كانت ضد تدبيرهم، لا ضد «إيديولوجيتهم».
جميع من تعاقبوا على الحكومة خلال العقود الأخيرة ظلوا أوفياء لـ«الرباعي» الذي يتحدث عنه الدكتور نجيب أقصبي: «الأوراش الكبرى، المخططات القطاعية، الاندماج، التزامات الدولة مع المؤسسات المالية الدولية».
هذا البرنامج، أو اللازمة، هو عقيدة كل رؤساء الحكومات، سواء كانوا يميناً أو يساراً، إسلاميين أو تكنوقراط.
وبالموازاة، كان هناك دائماً برنامج عابر للأيديولوجيات وفوقها، له سلطة على باقي البرامج، وهو «برنامج الملك»، الذي يستشهد به بنكيران وأخنوش وعباس الفاسي وجطو، وهم يقدمون برامجهم الحكومية أمام البرلمان. ويتبعهم في ذلك جميع الوزراء؛ إذ لا يكاد يخلو عرض وزاري أو تقديم برنامج أو حصيلة من لازمة «تطبيق تعليمات وتوجيهات وبرنامج الملك».
لا يملك حزب «العدالة والتنمية» برنامجاً أو مشروعاً إسلامياً، كما لا يمتلك عزيز أخنوش برنامجاً أو مشروعاً حداثياً.
الحقيقة أنه ليس هناك برنامج عند أي حزب، لا «إسلامي» ولا «حداثي». وهذه هي المعضلة. من يدعي أنه جاء ليطبق برنامجه، ووزير الداخلية جاء قبل أسبوع ليقدم برنامجاً عابراً للحكومات بميزانيته التي تمثل ثلث ميزانية الدولة، وبالأجهزة التي ستشرف على تنزيله، فهو إما كاذب أو واهم.
ولا تكمن مشكلة المغاربة مع «العدالة والتنمية»، بل مشكلتهم هي العدالة والديمقراطية.
فهل أتى بنكيران والعثماني بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية والكرامة، وواجهوا السلطوية؟ وهل حدَّ عزيز أخنوش من تغوّل الفساد، ووضع حداً لتضارب المصالح، وساهم في رفع مستوى معيشة المغاربة والحد من التحكم؟ ولماذا فشلوا في ذلك؟
تلك هي الأسئلة الحقيقية، والقضايا الفعلية، والتناقضات التي يواجهها المغاربة.
وما عدا ذلك، ليس سوى تهريب للنقاش، يستفيد منه، في مجالات متعددة، من يسعون إلى خلق تقاطب وهمي لصرف الناس عن قضاياهم الحقيقية.
في النهاية، لا يبدو أن المغاربة معنيون بصراع مُتخيَّل ومصطنع بين «إسلاميين» و«حداثيين»، بقدر ما هم منشغلون بأسئلة أكثر إلحاحاً: كيف تتحقق العدالة؟ من يحمي القدرة الشرائية؟ وأين تتجسد الديمقراطية في حياتهم اليومية؟ كيف يواجهون السلطوية؟
لم يعد للمغاربك وقت للمعارك الجانبية المصطنعة. إنهم يريدون عدالة حقيقية، وكرامة حقيقية، وديمقراطية حقيقية. أما من يصر على إعادة إنتاج هذا التقاطب الزائف، فهو لا يخدم إلا مصالحه الخاصة.
تتمسك الحكومة المغربية باعتماد توقيت GMT+1 كخيار استراتيجي "مؤسساتي". في وقت تتصاعد فيه مؤشرات الرفض…
كشفت الحكومة صباح يومه الثلاثاء 21 أبريل، أن حجم التمويل العمومي الموجه لفائدة جمعيات المجتمع…
كشفت وثائق توصلت بها صحيفة "سفيركم" الإلكترونية، أن الجامعة الملكية المغربية لرياضات الكيك بوكسينغ، المواي…
سجل مطار مارسيليا الفرنسي واقعة غريبة وصادمة، بعدما أقلعت طائرة تابعة لشركة "رايانير" في اتجاه…
أطلق فاعلون سياسيون ونقابيون وحقوقيون وأكاديميون وباحثون وطلبة، من مختلف بلدان العالم عريضة دولية. للتنديد…
وجهت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، اليوم الاثنين، مراسلة رسمية إلى رئيس الحكومة. طالبت فيها بتوضيح…
This website uses cookies.