يرى مركز ستيمسون الأمريكي أن المغرب يدخل سنة 2026 وهو يعزز موقعه كـ“قوة متوسطة” صاعدة، مستفيدًا من موقعه بين أوروبا وإفريقيا والمتوسط. ومن تحولات اقتصادية وصناعية ودبلوماسية جعلته فاعلًا إقليميًا أكثر حضورًا.
ويعرض التقرير، الذي أعده كل من لانا بليك وحافظ الغويل ويوسف جان، صورة مركبة عن المغرب. فهو بلد حقق تقدمًا في الصناعة، والطاقات المتجددة، وسلاسل التصدير. لكنه يواجه في المقابل اختبارات ثقيلة تتعلق بالماء، والبطالة، والفوارق المجالية، واستمرار التوتر الإقليمي حول الصحراء.
اقتصاد يتحول خارج النموذج التقليدي
ويركز تقرير مركز ستيمسون عن المغرب على انتقال الاقتصاد من منصة تصنيع منخفضة الكلفة إلى فاعل صناعي أكثر ارتباطًا بسلاسل القيمة العالمية. خاصة في السيارات والطيران والمعادن الحيوية.
ويشير التقرير إلى أن المغرب أصبح أكبر مصنع للسيارات في إفريقيا، مع حضور قوي لشركات وموردين دوليين. كما يبرز موقع الفوسفاط ومشتقاته في تثبيت مكانة البلاد داخل أسواق الأسمدة. إلى جانب بروز معادن مثل الكوبالت والنحاس والمنغنيز في رهانات البطاريات والسيارات الكهربائية.
ويعتبر المركز أن ميناء طنجة المتوسط يمثل أحد أهم عناصر التحول الاقتصادي. فقد تحول إلى منصة لوجستية وصناعية تربط المغرب بأوروبا وإفريقيا. وتدعم سياسة القرب الصناعي التي تبحث عنها الشركات الغربية لتقليص اعتمادها على سلاسل توريد بعيدة.
الماء والبطالة يختبران النموذج
وينبه التقرير إلى أن هذا المسار لا يخلو من هشاشة. فندرة المياه أصبحت، بحسب الدراسة، أحد أخطر القيود البنيوية على مستقبل المغرب. خاصة مع توالي سنوات الجفاف وتراجع حصة الفرد من الموارد المائية.
كما يؤكد التقرير أن الفلاحة تظل أكبر مستهلك للمياه، ما يجعلها أكثر القطاعات تعرضًا للضغط المناخي. كما يربط هذه الهشاشة باستمرار البطالة، خصوصًا وسط الشباب في المدن، وضعف مشاركة النساء في سوق العمل. واستمرار الاقتصاد غير المهيكل.
ويضع مركز ستيمسون هذه التحديات في صلب تقييمه للنموذج التنموي الجديد. معتبرًا أن نجاحه لن يقاس فقط بجذب الاستثمار أو توسيع البنيات التحتية. بل بقدرته على خلق فرص شغل وتقليص الفوارق وضمان استدامة الإصلاحات الاجتماعية.
دبلوماسية نشطة وسط توتر إقليمي
كنا يتوقف التقرير عند تحول السياسة الخارجية المغربية نحو براغماتية أكبر، تقوم على ربط المصالح الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية. ويعتبر أن ملف الصحراء يظل المحدد المركزي لعلاقات المغرب الخارجية. خصوصًا مع الجزائر والاتحاد الإفريقي وأوروبا والولايات المتحدة.
كما يشير التقرير إلى أن المغرب حقق مكاسب دبلوماسية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء سنة 2020، وتزايد الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي. غير أن التوتر مع الجزائر لا يزال يعطل الاندماج المغاربي ويغذي سباقًا إقليميًا مكلفًا.
ويرى المركز أن المغرب يحاول في الوقت نفسه توسيع نفوذه داخل إفريقيا، عبر البنوك، والاتصالات، والفوسفاط، والتكوين الديني، ومشاريع البنية التحتية. وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب.
قوة صاعدة بشروط صعبة
ويخلص تقرير مركز ستيمسون عن المغرب إلى أن البلاد راكمت خلال العقدين الأخيرين عناصر قوة واضحة: استقرار سياسي، انفتاح تجاري، بنية صناعية متقدمة نسبيًا. وموقع دبلوماسي قابل للاستثمار.
لكنه يضع مقابل ذلك قائمة تحديات لا تقل أهمية: ندرة المياه، بطالة الشباب، الفوارق المجالية، ضعف جودة التعليم. واستمرار حساسية الملف الحقوقي والسياسي.
ويقدم التقرير المغرب كبلد يوجد في لحظة انتقالية دقيقة؛ فهو لم يعد مجرد شريك أمني أو بوابة للهجرة نحو أوروبا. لكنه لم يحسم بعد سؤال تحويل موقعه الاستراتيجي إلى تنمية أكثر شمولًا وعدالة واستدامة.

