بقلم: محمد مستعد
على مستوى اللغة والمعجم، كشفت شعارات الشباب المحتجين (جيل زيد Z) عن استعمال لغة عربية سليمة، وسطى، ومتمكنة، بشكل عام، من رسالتها التواصلية (انظر كمثال البلاغ الذي صدر، محمولا باستعارة قوية للرد على السياسية نبيلة منيب وعلى من يحاول من السياسيين “ركوب موجة الاحتجاج”)، وهو ما كشف أن توجهات السلطة لاستهداف اللغة العربية في التعليم وفي الفضاء العمومي لم تنجح تماما. مع العلم بأن لسان هذا الجيل كثيرا ما يوصف بأنه لسان تغلب عليه اللغة الإنجليزية والفرنسية إلى حد ما.
على مستوى المضمون، عادت لغة احتجاجات 20 فبراير بقوة (الشعب يريد إسقاط الفساد، حرية كرامة عدالة اجتماعية…) وإن كان حجم وأعداد المحتجين تبدو أقل اليوم. مطالب إصلاح قطاعات الصحة والتعليم كانت بارزة. وهي مطالب كانت تتكرر من حين لآخر، في ظل هذه الولاية الحكومية، مع حملة المقاطعة أو مع حراك الريف وغيرها … لكن الجديد اليوم، ربما، هو أنها مطالب يحملها بالأساس جيل الشباب الذي يبدو أنه فجر غضبه بعد أن راكم شهورا من الاحتقان والاحتجاج بسبب الإضرابات في قطاع التعليم، ثم الإضراب الذي عرفته كليات الطب خلال السنتين الماضيتين. مطلب ربط المسؤولية والمحاسبة يبدو إذن واضحا ويعود بإلحاح بشكل دوري بخصوص قطاعي الصحة والتعليم. وقد انضاف إليهما اليوم قطاع الشباب، مما يشكل دليلا قويا على فشل تدبير هذه القطاع.
كثير من المعطيات والبيانات ما زالت غائبة عنا حتى الأن بخصوص ما وقع أيام 27 و28 و29 شتنبر بسبب عدم احترام الحق الدستوري في الخبر، والتعتيم الرسمي الذي يطبع المشهد الإعلامي الذي صار يعيش تشتتا وتدويخاُ تساهم فيه أيضا التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التي تشجع، عموما، التشتت الإخباري وتضارب الآراء عوض تمحيصها وتحليلها. ليست لدينا مثلا حتى الآن معلومات مضبوطة حول: عدد المحتجين، عدد المعتقلين، الجهات المؤسسة والداعمة للاحتجاج، ردود أفعال مختلف الفاعلين، هل ستتواصل الاحتجاجات مستقبلاً …؟ مع ملاحظة الغياب البارز للحكومة ولمن يتحدث باسمها. ما يظهر حتى الآن من خلال بعض الناطقين باسم السلطة على مستوى فايسبوك ويوتوب او بعض التسريبات الصحفية، هو أن السلطة تدافع عن أطروحة أن الاحتجاجات مدفوعة من جهات أجنبية، وتبرر منعها وتقول إنها لم تستعمل العنف وخراطيم المياه. ونتيجة ذلك، أصبح الصحفيون مدعوين إلى بذل مجهود كبير للتحقق من الأخبار. وصارت مرة أخرى الصحافة الأجنبية هي المرجع (مثل فرانس 24 أو واشنطن بوست…)
هل هو “جيل السباع” كما قال الزميل يونس مسكين؟ أم “جيل الضباع” كما قال عالم الاجتماع المغربي محمد جسوس لوصف عدم تسييس جيل الشباب وسهولة التلاعب بالحشود؟ أما الشاعر اللبناني أنسي الحاج فيرى أن “الجماهير هي أبشع كلمة في اللغة العربية، لأن الجماهير قطيع. والقطيع يُساق إلى الهاوية”. بعض المقولات والتوصيفات الجاهزة تحتاج، خلال بعض المناسبات، إلى خلخلة وإلى إعادة قراءة ونقاش عمومي مفتوح.

