بقلم: عمر لبشيريت
في طريقه إلى مدينة الصويرة لحضور تجمع حزبي، كان عبد الإله بنكيران يعرف جيدًا ما سيقوله، وما هي “القنبلة” التي سيطلقها ذلك اليوم.
فما قاله بخصوص مستشاري الملك لم يكن ارتجالًا ولا وليد اللحظة، بل بدا موقفًا مدروسًا ومفكرًا فيه بعناية، عبّر عنه بوضوح ذهني ومن دون تلعثم أو ارتباك.
وليس بنكيران أول من أثار هذا الموضوع، فقد سبقه إليه الأستاذ محمد الساسي خلال النقاشات التي رافقت إعداد دستور 2011، عندما طرح مسألة “الوضعية القانونية لمستشاري الملك”.
ومن حق بنكيران أن يدلي برأيه في هذا الشأن، فهو رجل سياسة وأمين عام حزب سياسي، كما يحق لأي زعيم حزب أن يفتح هذا النقاش، ما دام الدستور لا يمنعه، ولا يضفي أي قداسة أو استثناء قانونيًا على مستشاري الملك.
غير أن اللافت في بعض ردود الفعل أنها سارعت إلى الربط بين مستشاري الملك والدولة نفسها، وكأن مجرد مناقشة وضعهم القانوني، أو طبيعة تدخلاتهم، يمثل مساسًا بالدولة. وهذا، في جوهره، أسلوب يقوم على التخويف السياسي أكثر مما يقوم على النقاش الدستوري.
هناك فكرة تتكرر في المغرب كلما برز مسؤول قوي أو ارتفع نفوذ شخصية داخل دواليب السلطة، وهي الميل إلى اختزال الدولة في الأشخاص. فجأة يصبح المسؤول هو الدولة، ويصبح الدفاع عنه دفاعًا عن الدولة، والاختلاف معه اختلافًا مع الدولة، بل يُقدَّم أحيانًا وكأن استقرار الدولة ووجودها مرتبطان ببقائه.
والحال أن الدولة في المغرب هي الدولة فقط. أما الذي يحاول اختزالها في شخص أو أشخاص، فهو يرتكب نوعًا من “الشرك” بالدولة. وهذا “الشرك” لا ينتج سوى التشويش على المجتمع وعلى الدولة، ويخلق شرعيات مصطنعة لا سند لها. فلا شرعية تعلو فوق شرعية الدول.
وكل اجتهاد يرمي إلى إنبات شرعيات موازية، ولو استند إلى إنجاز وظيفي أو نفوذ إداري أو حضور إعلامي، هو خروج عن هذه الشرعية المؤسسة للدولة.
لقد جرب المغرب هذا “الشرك” بالدولة في الماضي، ولم تكن نتائجه حميدة. فهذا الخلط ليس جديدًا، بل رافق الحياة السياسية والإدارية لعقود طويلة. فالدولة ليست شخصًا، وليست مسؤولًا، وليست جهازًا بعينه، وإنما هي منظومة دستورية ومؤسساتية متكاملة، تتجاوز جميع الأشخاص، وتبقى بعد رحيلهم.
وفي المغرب تستند شرعية الدولة إلى أسس تاريخية ودستورية. هذه هي الشرعيات المؤسسة للدولة. أما كل محاولة لإنتاج شرعية موازية، تقوم على النفوذ الإداري أو الإنجاز الوظيفي أو القرب من مركز القرار أو الحضور الإعلامي الموجه، فهي تخلط بين الدولة ومن يخدمها، وبين المؤسسة ومن يتولى مسؤوليتها.
والتاريخ المغربي يقدم دروسًا بليغة في هذا الباب. فقد عرف المغرب مسؤولين نافذين بدوا، في لحظات معينة، أكبر من مؤسساتهم، وصُوِّر بعضهم في الإعلام الرسمي باعتبارهم التجسيد العملي لقوة الدولة وهيبتها، حتى صار نقدهم يُقدَّم على أنه مساس بالدولة نفسها. لكن الزمن أثبت أن الأشخاص يرحلون، بينما تبقى الدولة.
فبعد المحاولتين الانقلابيتين في بداية سبعينيات القرن الماضي، اتسع نفوذ بعض مراكز القوة داخل الدولة إلى الحد الذي أصبحت فيه، في نظر كثيرين، مرادفة للدولة نفسها. غير أن تلك المرحلة انتهت بكل ما حملته من اختلالات، ثم فتح المغرب صفحة جديدة مع هيئة الإنصاف والمصالحة، في اعتراف ضمني بأن الدولة أقوى من الأشخاص، وأن المؤسسات هي التي ينبغي أن تستمر، لا النفوذ الفردي.
ويكفي الرجوع إلى الأرشيف الإعلامي لتلك المرحلة حتى نلاحظ تشابهًا لافتًا مع بعض الخطابات الرائجة اليوم. فالمفردات تكاد تكون هي نفسها، والمنطق كذلك: مسؤول يُقدَّم باعتباره عنوان الدولة، والدفاع عنه باعتباره دفاعًا عن الوطن، وكل مساءلة له تُفسَّر على أنها استهداف للدولة.
غير أن الوطنية لا تعني تقديس الأشخاص، بل حماية المؤسسات. واحترام الدولة لا يعني تحصين المسؤولين من النقد، بل إخضاعهم للمساءلة في إطار القانون. أما تحويل الموظف، مهما علا منصبه، إلى رمز للدولة، فإنه يضعف الدولة بدل أن يقويها، لأنه يجعل هيبتها مرتبطة بأشخاص زائلين، لا بمؤسسات دائمة.
فالدول القوية هي التي يرحل فيها الوزراء وكبار المسؤولين والمديرون، من دون أن تهتز مؤسساتها. وهي التي يتغير فيها الأشخاص بينما تستمر القواعد، وتبقى الشرعية، ويظل القانون فوق الجميع.
الدولة ليست موظفًا ساميًا، ولا وزيرًا، ولا مستشارًا، ولا مديرًا، ولا رجل أمن، ولا سياسيًا. الدولة أكبر من الجميع. ومن مصلحة الدولة نفسها أن تبقى كذلك، لأن الأشخاص يذهبون، أما الدولة فتبقى.

