بقلم: مريم أبوري
سيواجه الفريق الوطني في دور الربع النهائي لإقصائيات كأس العالم، المنتخب الفرنسي. هذه المواجهة ليست مجرد مقابلة كروية مدتها تسعون دقيقة، بل هي أكثر من ذلك بكثير بالبنسبة لمغاربة فرنسا؛ إذ تتحول إلى مرآة تضع ” الهوية المزدوجة” تحت مجهر المساءلة، وتثير نقاشات صامتة وصاخبة حول الانتماء لبلد الأصل، وبلد الإقامة و المولد والترعرع. وتأتي هذه المواجهة لتجدد في أذهانهم ذكريات مونديال قطر 2022، حين أقصى المنتخب الفرنسي نظيره المغربي من المربع الذهبي.
و في انتظار يوم الحسم، تتحول البيوت المغربية بفرنسا إلى محراب للوطنية؛ حيث تتزين بالأعلام، و ترتدي الأجساد القمصان الحمراء والبيضاء، مفعمة بشغف انتظار لحظة انتصار الفريق المغربي. مواجهة، ستجمع العائلات بمختلف أجيالها في المنازل و القاعات التي استُؤجرت خصيصا لمتابعة المقابلة في أجواء مغربية خالصة، سعيا وراء تحقيق تفوق رمزي له أكثر من معنى على أرضية الملعب.
وسيكون لسان حال أغلب المهاجرين المغاربة من الرعيل الأول ما عبر عنه الحاج أحمد، البالغ من العمر ثمانين سنة، متقاعد اشتغل في مناجم شمال فرنسا قائلا:
(عشت في فرنسا أكثر مما عشت في المغرب، هنا ولد أبنائي و أحفادي، ولها فضل كبير علي وعليهم. لكن المغرب يجري في دمي وقلبي؛ سأشاهد المباراة مع أبنائي في بيتي مرتديا القميص المغربي. فإذا فاز المغرب سأبكي فرحا، و إذا فازت فرنسا سأعزي نفسي بأنها بلدي الثاني).
لا يمكن لمغاربة فرنسا أن لا يستحضروا غصة نهاية الحلم المغربي المونديالي في قطر على يد “الديكة”، لذا سيعيشون هذه المباراة كفرصة لهم للرد الاعتباري الرياضي.
وقبل صافرة البداية، يجد مغاربة فرنسا أنفسهم محاصرين بسؤال يتردد في الأوساط المجتمعية والإعلامية الفرنسية: ( مع من أنتم؟). وهو سؤال يثير قلقا نفسيا يحاول التشكيك في “اندماجهم”، تقول خديجة، أربعون سنة، وهي معلمة من الجيل الثاني تقطن بضواحي باريس :
( يمازحني زملائي قائلين: مع من أنت، مع فرنسا أم المغرب؟ أداري توتري بجواب فيه مراوغة دبلوماسية ” مع اللعب الجميل”، لكن قلبي يصرح بشدة: أريد فوز المغرب). وتضيف : ( بالنسبة لنا نحن المولودين هنا، تظل كرة القدم الفضاء الذي يمكننا من خلاله التعبير عن مغربيتنا دون أن نُتهم بضعف الاندماج. هذه المباراة هي مواجهة خفية بين ذاتي الفرنسية وذاتي المغربية).
أما لدى الشباب والمراهقين الذين ولدوا وترعرعوا في فرنسا، وخاصة أبناء ضواحي المدن والأحياء “الشعبية”، ففي ظل شعورهم بالتهميش التنموي والتعليمي و الصحي، يقول لسان حالهم: (نحن فرنسيون…لكن قلوبنا مغربية). تصبح الهوية المغربي هنا ملاذا للهوية ومصدرا للشعور بالتميز والفخر بالانتماء، ولو كرويا، ليثبثوا جذورهم، شعور يستيقظ فيهم عند كل حدث كروي .
يرى هؤلاء الشباب في النجم أشرف حكيمي، مثلا، تجسيدا لأحلامهم؛ شاب عاش الظروف الاجتماعية الصعبة ذاتها، لكنه الآن يقارع الكبار و يحسب له ألف حساب كرويا. يقول أمين، واحد وعشرون، طالب جامعي، من الجيل الثالث يقطن بشرق فرنسا :
( ولدت هنا، وأعشق الفريق الفرنسي و نجومه، لكن أشرف حكيمي يمثلني لأننا نتقاسم الأصول ذاتها. فوز المغرب هو اعتراف بوجودنا الذي نتصارع من أجله طيلة حياتنا في مجتمع يصعب عليه تقبل الآخر. بالفوز نقول للجميع: ( نحن هنا ولنا دور وقيمة في هذا البلد). ويضيف ( نحن نحب فرنسا ولا نكرهها كما يحاول اليمين المتطرف والإعلام الموجه إيهام الرأي العام بذلك، لكننا نحب المغرب أكثر في المنافسات الرياضية).
سيدخل أسود الأطلس الملعب في سياق يختلف عن مونديال قطر؛ بنضج أكبر وخبرة تراكمت منذ ليلة إقصائهم، وبروح تؤمن بأن الطموح لم يعد مجرد ” مشاركة مشرفة “، بل أصبحت رغبة التفوق وإقصاء فرنسا عقيدة راسخة ومطلبا شعبيا، حتى لا يتكرر ما عاشه سعيد، التقني، ذو التسعة و العشرون، تقني، سنة 2022، حيث يتذكر قائلا : ( بكيت بحرقة بعد الإقصاء. و في اليوم التالي كان علي تحمل نظرات زملائي الفرنسيين في العمل، نظرات كانت أكثر إيلاما من الهزيمة نفسها). و يواصل بحماس و ثقة 🙁 لكن الأمر يختلف هذه المرة، فالمنتخب المغربي أصبح قوة كروية، وهذه فرصتنا لنقول للفرنسيين: ما حدث في قطر ما هو إلا الشوط الأول، والشوط الثاني سيكون يوم الخميس لحسم الانتصار، ونضع أيادينا على قلوبنا كي يكون الحكم عادلا وغير منحاز).
و من جانبها، تقول عائشة ،مصممة غرافيك من أم فرنسية وأب مغربي وذات الست والعشرين، بنبرة مازحة: ( سنعيش ديربيا عائليا، ستطهو أمي الكسكس الذي تعلمته من جدتي المغربية، لكنها ستشجع الديكة الفرنسية، بينما سيلتحف أبي الراية المغربية مرددا الأغاني المغربية المشجعة لأسود الأطلس. أما أنا، فأشعر بأنني محظوظة؛ فمهما كانت النتيجة فسأكون في الصف الرابح، وإن كنت أميل عاطفيا للمغرب خلال المقابلة).
في نهاية المطاف، ليست الهوية قالبا جامدا، بل هي فضاء رحب يتسع للهويتين المغربية والفرنسية معا. سيقف مغاربة فرنسا يوم الخميس في المنطقة الوسطى، مساحة التمازج الجميلة؛ حيث يربطهم بفرنسا حب وعيش مشترك، ويسكنهم المغرب، بلد الجذور والأجداد.
بلا شك، ستطغى شحنة من “الثأر الرياضي” على هذا ” الديربي”، لكنها لن تكون حربا، بل موعدا تلتقي فيه القارتان الإفريقية و الأوروبية بأقدام لاعبين و جماهير غفيرة تحمل قلوبا تنبض بحبين مغربي وفرنسي… مع جرعة عشق أكبر للمغرب في التاسع من يوليوز .

