بقلم: ابتسام مشكور
قبل الدخول في تفاصيل المقال، دعوني أبدأ بسؤال واحد بسيط:
من أفتى على أخنوش وقرر أن تكون الفنانة غادة عبد الرازق ضيفة شرف “Caftan Week” في مراكش؟
أريد اسما. أريد مكتبا. أريد مسؤولا يقف أمام المغاربة ويقول لنا: نعم، أنا صاحب هذا القرار، وهذه حيثياته.
في صيف 2025، انتقد المغاربة غناء شيرين عبد الوهاب ب”البلايباك” في مهرجان موازين. وهذا يحصل في المهرجانات؛ الفنان قد يخفق، وعشاقه لهم الحق في انتقاده. هؤلاء دفعوا ثمن التذاكر، وتكبدوا عناء الوقوف لساعات ينتظرون متعة لم يجدوها، لأن شيرين خيبت ظنهم.
فكانت إجابة غادة عبد الرازق للمنتقدين:
“مليون سلامة حبيبتي ونورت المهرجان، بنحبك يا موهبة ماشية على الأرض، القافلة تسير…”
الكلاب التي تنبح على القافلة السائرة بحبيبتها، في هذه المعادلة، هم المغاربة؟ نعم. هم الذين انتقدوها حبا في فنها. وأدوا الثمن من جيوبهم ليحضروا حفلها، ولم يكتفوا بتدوينة ملغومة يركبون عليها هوسا بـ”الترندات”. عبروا عن غضبهم ولهم كل الحق في ذلك.
هكذا، بكل بساطة وبلا مواربة، رأت الست غادة في انتقاد شعب استضاف فنانة بميزانية عالية غنت له ب”البلايباك” نباحا.
حاولت استدراك الأمر بعدها، بـ”فهلوة”، عبر تسجيل قالت فيه إنها لم تقصد الإساءة للشعب المغربي، وإن لديها أصدقاء مغاربة، وإنها تأكل في بيوتهم. وهذا جميل، لكن الكفارة الأخلاقية عن هذا النوع من الأذى تكون بالاعتذار.
وذاك أضعف الإيمان.
بعد أشهر قليلة، والجرح لم يلتئم بعد في الذاكرة الجماعية المغربية، قررت مجلة أخنوش أن تدعو غادة عبد الرازق ضيفة شرف الدورة السادسة والعشرين من تظاهرة القفطان التي تنظمها بقصر البديع الأثري بمراكش.
جاءت.
ارتدت قفطانا مغربيا فاخرا من صنع أيادي حرفيين مغاربة. مشت على البساط الأحمر. وزعت بعض الابتسامات هنا وهناك. ونشرت كلاما معسولا عن مراكش وسحرها وأصالتها.
“طبعا لن ندخل في قيمة الكاشي الذي حصلت عليه”
وكأن ما وقع في الرباط منذ شهور فقط يهم شعبا آخر.
كل شيء كان مرتبا. ومدروسا. حتى خطة مراوغة الصحافة المغربية، تلك الصحافة التي صارت تهان في الكان وفي القفطان وفي أي مهرجان.. لا بأس، “وسيعلم الذين فعلوا بها هذا أي منقلب ينقلبون”.
وجد الصحفيون أنفسهم خلف حاجز ممنوع تخطيه. غادة أمامهم، لكن لا أحد يسمح له بالاقتراب ولا الاستجواب.
محمية من سؤال:
من قصدت بالكلاب؟
مصدر من داخل التنظيم أكد لي أنها هي من فرضت شرط عدم التصريح للصحافة المغربية.
طيب، وإن كانت ترفض التوضيح سواء خوفا أو احتقارا فلماذا المجيء بها أصلا؟
“عيشة ما نبغيها وحوايجها نلبسهم.”
يحضرني هنا موقف لا أملك إلا أن أرويه.
صديق صحفي مصري بجريدة عريقة أستضيفه كثيرا في بيتي. كان يعشق أكل والدتي ويناديها بـ”ماما”، وبينهما ود جعلها تفتح له أسرار مطبخها، من شهيوات كل منطقة إلى فوارق الطبخ بين الجهات.
في إحدى المهرجانات، وبعد مؤتمر صحفي حضرناه معا، تقدم أحد الصحفيين المصريين بسؤاله لفنانة بمقدمة استعراضية:
“إنتِ نجمتنا والحيلة بتاعتنا ومنورة الدنيا كلها… إلخ”
ليسألها:
“محضرة إيه النهار ده لجمهور المهرجان؟”
استغربت.
فقال صديقي بهدوء من يعرف مطبخ الكواليس:
“اضحكي معليهش لكن هذه خطة. بعض الإعلاميين سماسرة للفنانين يبادرون في المؤتمرات الصحفية إلى السؤال حسب اتفاق مسبق على نوعية الأسئلة حتى يقطعوا الطريق على الأسئلة الجادة التي من شأنها إحراجهم.”
ثم أضاف، وفي عينيه شيء من المشاكسة:
وأنتم أيضا تسألون عن القفطان والطبخ وتقحمون السياسة في جميع أسئلتكم. لماذا؟
قلت له:
نشأة الصحافة في بلدنا بدأت سياسية. ممكن أتفق على أن طريقة طرح الأسئلة تخون البعض لكن القفطان والمطبخ ليسا موضة وأكل فقط، هما هوية وسردية متجذرة. مصر تصدر الفن والإعلام، والمغرب يصدر الهوية والتقاليد. وكلاهما شكل من أشكال القوة الناعمة والحضور الحضاري.
نظر إلي. ثم نظر إلى جواب الماما الذي أسكتنا معا:
“طاجين بالبرقوق الذي تحب يا ولدي. بسم الله.”
كان يعشقه ولا يفهم كيف يجتمع فيه المالح والحلو دون أن يخون أحدهما الآخر. وفيهما عبرة للاختلاف الذي لا يفسد للود قضية.
لكن ما جرى في تظاهرة القفطان لم يكن مزاحا بين أصدقاء.
كان إقصاء مقصودا. له دلالة واحدة:
الخوف من السؤال.
والسؤال، سي أخنوش، يبدأ منك أنت.
أعرف أن ملفاتك كثيرة وأن همومك ثقيلة وأن المنتقدين لك لا يحصون. لكن هذا الملف بالذات يختلف عن غيره. لا يمس سياستك الاقتصادية ولا الاجتماعية ولا حتى السياسية، يمس كرامة المغاربة قاطبة.
بأي حق دعوتم من أساءت للمغاربة ولم تعتذر؟ وألبستموها قفطانا نسجته أياد عرفت الكرامة قبل أن تعرف معنى الموضة؟
نخوة القفطان المغربي شرف. لا نمنحه كمغاربة إلا لمن يستحقه.
لماذا فعلتم هذا؟
من أجل ماذا؟
ماذا استفدتم؟
وما مصير كرامة المغاربة في عهدكم؟
من اقترح عليك هذا الاسم، اسي عزيز، لا يعزك. إما أنه أراد توريطك وهو لا يعلم “في أي زوبية لاحك”، وإما أن كرامة المغاربة آخر همه.
“وفي كلتا الحالتين، لهلا يخيرنا فأضرار.”
سي عزيز،
في آخر أيام حكومتك، تقبل مني همسة في أذنيك قبل ذهابك. حبذا لو تقلها لمن بعدك.
النخوة المغربية هي عزنا ورأس مالنا. وهي مسؤوليتكم قبل أن تكون مسؤوليتنا.
لا تهدروها.
لا تمعنوا في إذلالنا وإفراغ دواخلنا من كل إحساس بالكرامة.
اتركوا لنا شيئا من نخوتنا واعتزازنا بالانتماء لرقعة اسمها المغرب. وخذوا المناصب والمكاسب وحتى صفقات التضارب..
“كي يعاونكم ربي”

