بقلم: يوسف المساتي
لن يسامحوا المغرب، ليس لأنه بلغ نصف نهائي كأس العالم في قطر فقط، بل لأنه جعل الحلم يبدو ممكنا. جعل الطريق إلى المجد يبدو أقصر مما هو عليه. وجعل شعوبا كثيرة، في إفريقيا والعالم العربي، ترى في إنجازه مرآة لرغباتها المؤجلة أكثر مما رأت فيه ثمرة مسار طويل.
كان التعاطف مع المغرب في 2022 جارفا. رفعت الأعلام، امتلأت الشاشات بالدموع، وتحوّل “أسود الأطلس” إلى فريق الجميع. بدا المشهد بريئا في ظاهره. لكنه كان يخفي شيئا أعمق: كثيرون لم يكونوا يشجعون المغرب وحده، بل كانوا يشجعون صورتهم الممكنة فيه.
كان لسان حال البعض يقول: إذا فعلها المغرب، فسيأتي دورنا. وإذا وصل منتخب عربي أو إفريقي إلى نصف النهائي، فالمسألة لم تعد معجزة. هكذا اختلط الإعجاب بالأمل، واختلط الأمل بوهم خطير: أن الإنجاز قابل للاستنساخ بمجرد الحماس، أو بمجرد رفع سقف الخطاب.
فتح مونديال قطر بابا نفسيا كبيرا. لم يعد نصف النهائي يبدو حكرا على القوى الكبرى. ولم تعد أوروبا وأمريكا الجنوبية وحدهما في واجهة الحلم. لذلك انتشرت بعد ذلك لغة جديدة في الاستوديوهات والقنوات التحليلية.
بدأ كثيرون يتحدثون عن تكرار الإنجاز المغربي. بل عن تجاوزه. وصار الوصول إلى نصف النهائي يطرح أحيانا كما لو أنه محطة طبيعية، لا ذروة نادرة تحتاج إلى بنية كروية، وإدارة، وتكوين، واحتراف، وشخصية جماعية، وتراكم طويل.
في تلك اللحظة، تحولت التحليلات إلى أمنيات. وتحوّل الأمل إلى يقين متسرع. وبدأ بعض الخطاب العربي والإفريقي يتعامل مع تجربة المغرب كما لو أنها وصفة جاهزة. يكفي أن نخلط الروح القتالية ببعض النجوم، ثم ننتظر أن ينفتح الطريق.
لكن كرة القدم لا تكافئ الرغبات وحدها. ولا تمنح المجد لمن يكثر الكلام عنه. إنها تكشف، في اللحظة الحاسمة، ما راكمته المنتخبات داخل الملاعب وخارجها.
جاءت كأس إفريقيا لتكشف جانبا من هذا الالتباس. فالمغرب لم يعد ينظر إليه كمنتخب ناجح فقط، بل كمرجع ثقيل. وكل مرجع ثقيل يزعج. وكل من ينجح في بيئة اعتادت توزيع الفشل على الجميع، يصبح متهما بشكل أو بآخر.
هنا بدأت نبرة أخرى تظهر. لم يعد الحديث فقط عن الإعجاب. صار الحديث عن “الاستحقاق”، وعن “الحظ”، وعن نفوذ فوزي لقجع داخل الكاف، وعن التحكيم، وعن الكواليس. كل تفسير صار مقبولا عند بعضهم، إلا التفسير الأبسط: أن المغرب بنى شيئا حقيقيا.
لم يكن الأمر مجرد منتخب وصل إلى نصف النهائي. كان الأمر يتعلق بمنظومة رياضية أوسع. ملاعب، مراكز تكوين، إدارة، انفتاح على الكفاءات، حضور قوي في الكرة النسوية، تنظيم، تسويق، واستثمار طويل في صورة كرة القدم المغربية.
وهنا حدثت الصدمة. لأن من كان يعتقد أن الإنجاز مجرد موجة عاطفية، اكتشف أنه نتيجة بنية. ومن كان ينتظر أن يرى المغرب يعود بسرعة إلى حجمه القديم، وجد نفسه أمام بلد يصر على تثبيت موقعه.
لا يولد الحقد دائما من الكراهية المباشرة. أحيانا يولد من خيبة المقارنة. حين ترى الآخر يحقق ما كنت تظنه قريبا منك، ثم تكتشف أنه أبعد مما تصورت، تبدأ في معاقبته رمزيا.
هكذا تحولت بعض مشاعر التعاطف إلى عداء ناعم. عداء يلبس لغة التحليل أحيانا، ويسخر أحيانا، ويتخفى خلف “الموضوعية” أحيانا أخرى. لم يعد المغرب منتخبا شقيقا أو إفريقيا فقط. صار تذكيرا مزعجا بأن النجاح لا يصنع بالانتماء وحده.
لذلك ظهرت دعوات غريبة: لن نشجع المغرب. كأن تشجيع المغرب كان دينا يجب سداده. وكأن المغاربة طلبوا من أحد أن يشاركهم إنجازهم ثم تنكروا له.
في الحقيقة، كثيرون اعتقدوا أنهم كانوا شركاء في نصف نهائي قطر. اعتقدوا أن فرحتهم صنعت جزءا من الإنجاز. لذلك حين استقل المغرب برمزيته، وحافظ على صورته الخاصة، شعروا كما لو أن شيئا سلب منهم.
أخطر ما في تجربة المغرب أنها أزالت العذر السهل. قبل قطر، كان يمكن القول إن منتخبات إفريقيا والعرب لا تستطيع الذهاب بعيدا لأن النظام العالمي للكرة مغلق. بعد قطر، لم يعد هذا التفسير كافيا.
صار السؤال أكثر قسوة: لماذا استطاع المغرب؟ ولماذا لم يستطع الآخرون؟ هذا السؤال لا يريح أحدا. لأنه ينقل النقاش من المؤامرة إلى البنية، ومن الحظ إلى العمل، ومن الصراخ إلى السياسات الرياضية.
لهذا لن يسامحوا المغرب. لأنه لم ينجح فقط، بل وضع الجميع أمام المرآة. أظهر أن الفارق لا يصنعه النشيد وحده، ولا الحماس، ولا الاستوديوهات، ولا الوعود الكبيرة قبل المباريات.
يصنعه ما لا يظهر دائما للمشاهد: تكوين اللاعب، وقوة الدوري، واحتراف الإدارة، وعلاقة المنتخب بجمهوره، ونوعية المدرب، وقدرة الفريق على تحمل الضغط العالمي.
سيمنح النظام الجديد لكأس العالم فرصا أوسع. وقد تعبر منتخبات كثيرة دور المجموعات. لكن العبور لا يعني الوصول. بعد الدور الأول تبدأ كرة أخرى. هناك تسقط الشعارات، وتظهر المسافة الحقيقية بين منتخب يشارك ومنتخب ينافس.
في تلك اللحظة ستبدأ سيمفونية الرثاء. سيقال إن القرعة كانت صعبة. وإن الحكم لم يكن عادلا. وإن الظروف لم تساعد. وربما سيعود البعض إلى النظر نحو المغرب بغضب أكبر.
لأن المغرب، في نظرهم، هو من جعلهم يعتقدون أن الإنجاز سهل. هو من فتح الباب نفسيا، ثم تركهم أمام الواقع القاسي. واقع يقول إن نصف النهائي لا يوزع بالمجان. وأن العالم لا ينتظر أحدا ليحقق حلمه.
لقد أظهرت أول مواجهة بين جنوب إفريقيا والمكسيك شيئا من هذا الفارق. ليس لأن جنوب إفريقيا وحدها معنية بهذا الحكم، بل لأن المباراة أعادت طرح السؤال نفسه: أين يبدأ الحلم؟ وأين ينتهي الوهم؟
صار كثيرون يتحدثون عن نصف النهائي كما لو أنه جملة شعرية. كأن الطريق إليه يمر عبر النية الطيبة فقط. لكن نصف النهائي في كأس العالم ليس شعارا. إنه امتحان طويل في التفاصيل.
تحتاج إلى حارس يمنع الانهيار. وإلى دفاع يعيش تحت الضغط. وإلى وسط يعرف متى يركض ومتى يهدأ. وإلى مهاجم لا يخاف اللحظة. وتحتاج قبل كل ذلك إلى بلد كامل يؤمن بأن كرة القدم مشروع، لا انفجار عاطفي عابر.
المغرب في قطر لم يكن صدفة جميلة فقط. كان قصة نضج. وحتى حين لعب بالعاطفة، لم يكن بلا عقل. وحتى حين دافع، لم يكن عاجزا. وحتى حين بكى، كان يعرف لماذا يبكي.
هنا يكمن الفرق بين من عاش الإنجاز ومن شاهده. من عاشه يعرف كلفته. ومن شاهده من بعيد قد يظن أنه مجرد موجة يمكن ركوبها.
لن يسامحوا المغرب لأنه كسر السقف، ثم ترك الآخرين أمام سقوفهم.
لن يسامحوه لأنه جعل المقارنة ممكنة.
لن يسامحوه لأنه انتزع الاعتراف، لا بالخطابة، بل بالنتيجة.
ولن يسامحوه لأنه حوّل الحلم من عذر إلى مسؤولية.
في العمق، ليست المشكلة في المغرب. المشكلة في تلك المرآة التي رفعها. مرآة تقول إن التعاطف لا يصنع منتخبا. وإن الغيرة لا تسجل الأهداف. وإن الخطابات الكبيرة لا تعوض نقص البنية.
لذلك سيبقى المغرب مزعجا. لا لأنه يدعي الكمال، ولا لأنه فوق النقد، بل لأنه صار شاهدا على أن الطريق موجود. والطريق، حين يظهر، يسقط أجمل الأعذار.
ولهذا، كلما تعثر الآخرون في المونديال، سيزداد غضبهم منه. ليس لأنه هزمهم في الملعب، بل لأنه هزم في داخلهم الفكرة القديمة التي كانت تقول: لا أحد يستطيع.
المغرب استطاع. وهذه بالضبط هي خطيئته التي لن يغفرها له كثيرون.
أنهى المنتخب المغربي مشاركته في كأس محمد السادس الدولي للكاراطي بالرباط في المركز الثالث، بعدما…
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع إيران يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز…
تكشف أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط عن واقع مالي مقلق تعيشه الأسر المغربية، إذ أفادت…
دخلت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على خط الجدل الذي أثارته تصريحات رئيس الاتحاد الأوروبي…
تعرضت شابة تبلغ من العمر 22 سنة، مساء أمس السبت، لاعتداء خطير تخللته أفعال عنف…
أثارت النائبة البرلمانية عن فريق التقدم والاشتراكية، خديجة أروهال، موضوع حضور الإعلام الأمازيغي في التظاهرات…
This website uses cookies.