بقلم: مصطفى العراقي
لم يعرف المغرب غيابا للنقاش العمومي كما هو عليه اليوم؛ نقاش حقيقي حول السياسات والمواقف القضايا الرئيسية …
إن غياب النقاش بكل مستوياته السياسية والاجتماعية والثقافية الاقتصادية، بين الأطراف أحزابا كانت او نقابات أو فاعلين . مؤسسات أو مفكرين … هو تعبير على أن هناك أعطابا واختلالات في المجتمع . والمثير أنه بقدر ما تحفل الحياة العامة بقضايا وإشكالات ومآزق، بقدر ما يتوارى هذا النقاش الجدي والحقيقي ويتحول الى مجرد شخصنة وملاسنات بجرعات سباب وشتائم وتشهير…
اليوم كل المعنيين بالنقاش السياسي اتخذوا مسافات بين جزر شكلوها ..لا يتواصلون في هذا الإرخبيل الذي أنشأوه إلا برشقات كلام عنيف بدل بناء جسور للأفكار :
فالأحزاب السياسية بشكل عام فقدت حكماءها ورمت بالحق في الاختلاف خارج تنظيماتها فما بالك في الاختلاف مع الآخر.. وبعضها أصبح زعماؤها مجرد مهلوسين يعتقدون انهم يملكون الحقيقة ..وأن “قيادتهم” الأبدية لا ينازع فيها ..
والاعلام العمومي الذي من المفترض أن يكون الساحة التي تتطارح فيها الأفكار والمواقف جعل من أولوياته تغطية المهرجانات وبرامج المسابقات . بل حدد له القيمون عليه سقفا يجب أن لا يتجاوزه وإن اضطر الى ذلك فتحت رحمة التحكم…
أما الحقل الإعلامي الذي انتجته التكنولوجيا وولدته مواقع التواصل الاجتماعي فأغلبه يتخذ من التفاهة صوتا وصورة له…ومنه من اختار ان يصبح امتدادا لأجندات وبوقا لمخططات..
والبرلمان وسع من وفاءه للحكومة كي يكون مجرد مؤسسة لتزكية قراراتها ومشاريعها وتصريحاتها…
والمجتمع المدني تم تمييعه الى درجة ان أطره أصبحت تلهث وراء البرامج المذرة للدخل..
حتى الجامعات ضاق صدرها بفضائح أفقدتها المصداقية ..وحتى تلك نقط الضوء التي تبرز هنا او هناك أصبحت منهكة بسبب غياب الدعم والمساندة..
والمثقفون؟؟ منهم من أطلق ساقيه لريح المعارض وندوات الفنادق الفخمة . ومنهم من أصبحت مواقفه مجرد صيحة في واد مليء بالضجيج والصراخ …
جزر إذن هي أطراف النقاش العمومي .. تنتظر طلبا لإبداء رايها عبر مذكرات وكفى الرأي العام شر تطارح الأفكار والتصورات ..( والرأي العام يتشكل عبر النقاش).
إن غياب النقاش هو وضع المجتمع في حالة موت سريري .. ننعشه فقط في مناسبات تتكرر مواضيعها ..أو نجعله فقط نقاشا حول الانتخابات يتجدد مرة كل خمس سنوات ..
غياب النقاش العمومي هو زمن مفتوح على المجهول بكل مفاجآته ..
والمغرب، اليوم وأكثر من أي وقت مضى بحاجة لنقاش جدي وذي مصداقية لقضاياه الآنية والمستقبلية لتحصين مكتسباته ولاستقراره ولحمايته من كل ما يستهدفه داخليا او إقليميا او دوليا …المغرب بحاجة لجسور صلبة تقلص من المسافات بين مكونات أرخبيله ..بحاجة الى ان يتسع صدره لكل تعبير يحترم مقوماته ..

