هوامش تاريخية – بقلم يوسف المساتي
تبدو إفريقيا اليوم، وهي تدخل مونديال 2026 بعشرة مقاعد، كأنها وصلت أخيراً إلى مكانها الطبيعي في كرة القدم العالمية. وتأهل تسعة من ممثليها إلى دور الـ32، في مشهد لم يكن ممكناً تخيله قبل ستة عقود، حين كانت القارة كلها تُعامل كضيف مؤقت على بطولة تسمى كأس العالم.
تخفي هذه الوفرة الحالية ذاكرة قاسية. فإفريقيا التي تملك اليوم عشرة مقاعد، كانت في بداية الستينيات تبحث عن مقعد واحد لا يأتي إلا بشروط. وكان المغرب، قبل غيره، من فهم أن المسألة ليست رقماً في لوائح الفيفا، بل امتحاناً للسيادة والكرامة والاعتراف.
لم يكن المغرب متفرجاً على تلك المعركة. كان في قلبها. جُرّب عليه الظلم أولاً، وخرج من التجربة مقتنعاً بأن الخلل ليس في نتيجة مباراة، بل في نظام كامل كان يدفع إفريقيا إلى الهامش، ثم يطلب منها أن تشكر من سمح لها بالاقتراب.
بدأ الجرح المغربي من إسبانيا
دخل المغرب تصفيات مونديال 1962 وهو بلد حديث الاستقلال، لكنه لم يكن حديث الرغبة في الظهور. كان يريد أن يعلن نفسه كروياً كما أعلن نفسه سياسياً. لذلك لم يكن تأسيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ولا الانضمام إلى الفيفا، مجرد إجراء رياضي. كانا جزءاً من بناء دولة تستعيد صورتها واسمها وصوتها.
واجه المنتخب المغربي تونس وغانا، وخرج بطلاً للتصفيات الإفريقية. لكن بطولة إفريقيا لم تكن كافية. فرضت عليه الفيفا أن يواجه إسبانيا في ملحق أوروبي إفريقي، لأن القارة لم تكن تملك مقعداً مباشراً. هكذا وُلدت عبارة “نصف المقعد”، لا كمصطلح رياضي فقط، بل كإهانة مؤسساتية.
حملت مواجهة إسبانيا معنى يتجاوز الكرة. كان المغرب ما يزال مفتوحاً على جراح الاستعمار الإسباني، وكانت مدريد في عهد فرانكو تمثل ذاكرة ثقيلة في الشمال والجنوب. لذلك بدت المباراتان، في الدار البيضاء ومدريد، كأنهما امتداد آخر لصراع أكبر من المستطيل الأخضر.
قدم المغرب مباراة قوية في الدار البيضاء، وخسر بهدف متأخر. ثم ذهب إلى سانتياغو برنابيو، حيث واجه منتخباً إسبانياً مدججاً بالأسماء الكبرى. خسر بثلاثة أهداف لهدفين، لكنه خرج بشيء أعمق من الهزيمة: يقين بأن إفريقيا لا تُقصى لأنها ضعيفة فقط، بل لأنها موضوعة داخل طريق غير عادل منذ البداية.
لم ير المغرب نصف المقعد تفصيلاً
تعاملت بعض الأصوات داخل القارة مع نظام التأهل باعتباره مشكلة بعيدة، أو مسألة تخص المنتخبات التي تبلغ المراحل النهائية فقط. لكن المغرب لم يكن قادراً على هذا الترف. فقد لمس الإقصاء بيده، ورأى كيف يتحول بطل إفريقيا إلى طالب مرور عند باب أوروبا.
أدركت الرباط الكروية أن قبول هذا النظام يعني إعادة إنتاج التبعية داخل الملعب. فالقارة التي كانت تخرج من الاستعمار السياسي، وجدت نفسها أمام استعمار مؤسساتي ناعم، يوزع المقاعد والفرص والشرعية وفق ميزان قديم.
من هنا بدأت خصوصية الدور المغربي. لم يأت موقف المغرب من خطاب عام عن العدالة، بل من تجربة مباشرة. كان المنتخب المغربي قد دفع ثمن النظام المجحف، وكان طبيعياً أن تتحول تلك المرارة إلى موقف داخل الاتحاد الإفريقي.
لم يكن المغرب وحده في الساحة، لكنه كان صاحب الجرح الأكثر وضوحاً. تقاطع موقفه مع غانا، ومع شخصيات إفريقية آمنت بأن كرة القدم ليست هامشاً في معركة التحرر. غير أن المغرب كان يملك حجة لا تحتاج إلى شرح طويل: لقد فزنا إفريقيا، ومع ذلك لم نحصل على حق إفريقيا.
قاد المغرب من موقع المتضرر
تحرك المغرب داخل المحيط الإفريقي انطلاقاً من هذه القناعة. لم يكن الهدف أن يبحث عن امتياز خاص، بل أن يمنع تكرار ما وقع له مع أي منتخب إفريقي آخر. ولذلك صار مطلب المقعد المباشر مطلباً قارياً، لكن ذاكرة الدفع الأولى كانت مغربية.
واجهت الفيفا مطلب إفريقيا بتوزيع أكثر قسوة في تصفيات مونديال 1966. منحت أوروبا وأمريكا الجنوبية مقاعد واضحة، وتركت إفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا تتنافس على مقعد واحد. بدا القرار كأنه يقول للقارة إن حضورها ليس حقاً، بل احتمالاً بعيداً.
زاد موقف الفيفا من جنوب إفريقيا العنصرية من حدة الغضب. فلم يكن الأمر متعلقاً بالكرة وحدها، بل بسؤال أوسع: كيف يمكن لمؤسسة دولية أن تتحدث باسم العالم، وهي تتسامح مع نظام فصل عنصري، وتُقصي في الوقت نفسه قارة تبحث عن مكان عادل؟
هنا لم يعد الصمت ممكناً. وداخل هذا المناخ، ساهم المغرب في دفع الكاف نحو خيار المقاطعة. لم يكن قراراً سهلاً. كان يعني التضحية بحلم المونديال، وبجيل كامل من اللاعبين، وبفرصة الظهور أمام العالم. لكنه كان، بالنسبة إلى المغرب، أقل كلفة من قبول إهانة تتكرر.
جعلت المقاطعة الغياب فعلاً سياسياً
قاطعت المنتخبات الإفريقية تصفيات مونديال 1966. ولأول مرة، لم يكن غياب إفريقيا ضعفاً أو عجزاً، بل موقفاً منظماً. كانت القارة تقول للفيفا إن بطولة العالم لا تستحق اسمها إذا ظلت تُدار بمنطق المركز والهامش.
في هذه اللحظة، ظهر الفرق بين من ينظر إلى اللوائح من بعيد، ومن اكتوى بها في الملعب. كان المغرب قد عرف معنى أن يواجه إسبانيا بعد أن أنهى طريقه الإفريقي. لذلك لم يتعامل مع المقاطعة كترف سياسي، بل كتصحيح ضروري لمسار مختل.
حاولت الفيفا كسر الموقف بالغرامات والضغط. لكن المقاطعة صمدت. وغابت إفريقيا كلها عن مونديال إنجلترا 1966. وقد بدا الغياب، هذه المرة، أعلى صوتاً من الحضور. فالقارة التي لم تُمنح مقعداً، جعلت من الكرسي الفارغ حجة على العالم.
لم تكن المقاطعة انتصاراً فورياً في الملعب، لكنها كانت انتصاراً في المعنى. فقد اضطر الاتحاد الدولي لاحقاً إلى مراجعة نظامه، ومنح إفريقيا مقعداً مباشراً في مونديال 1970. كان ذلك مقعداً واحداً، لكنه كان أول اعتراف صريح بأن للقارة حقاً لا يمر عبر وصاية الآخرين.
عاد المغرب ليحسم المقعد
لم يكتف المغرب بالموقف السياسي. عاد إلى الملعب كي يثبت أن المعركة لم تكن احتجاجاً بلا كفاءة. وحين حصلت إفريقيا على مقعدها المباشر، كان المغرب أول من حمل هذا المقعد إلى كأس العالم.
خاض المنتخب المغربي طريقاً صعباً نحو مكسيكو 1970. واجه السنغال، ثم تونس في فصل درامي حُسم بالقرعة في مارسيليا، قبل أن يدخل الدور النهائي أمام نيجيريا والسودان. لم يكن التأهل هدية، بل مساراً طويلاً من السفر والضغط والانتظار.
حسم المغرب الصدارة، وانتزع بطاقة العبور. وهنا اكتمل المعنى. فالبلد الذي جُرح من “نصف المقعد” سنة 1961، صار أول من يرفع المقعد الإفريقي الكامل إلى المونديال سنة 1970. كأن التاريخ أعاد إليه ما انتزع منه، لكن بعد أن حول الجرح الشخصي إلى مكسب جماعي.
ذهب المنتخب المغربي إلى المكسيك وهو يحمل أكثر من علم. كان يمثل المغرب، نعم، لكنه كان يمثل أيضاً قارة عادت إلى كأس العالم من الباب الذي طالبت به، لا من ممرات الملحق المرهقة. لذلك لم تكن مشاركته رمزية. كانت اختباراً لفكرة كاملة.
تكلمت إفريقيا بلسان مغربي
واجه المغرب ألمانيا الغربية في أولى مبارياته، وتقدم في النتيجة أمام أحد أقوى منتخبات العالم. ورغم الخسارة لاحقاً، ترك الأداء المغربي أثراً واضحاً. ثم تعادل أمام بلغاريا، ومنح إفريقيا أول نقطة في تاريخ مشاركاتها المونديالية الحديثة.
كانت تلك النقطة صغيرة في الحساب الرياضي، لكنها كبيرة في الذاكرة. فقد أثبت المغرب أن إفريقيا لم تكن تطلب مقعداً للزينة، بل حقاً في المنافسة. وأثبت أيضاً أن الفيفا أخطأت حين تعاملت مع القارة كملحق كروي تابع.
منذ تلك اللحظة، صار تاريخ إفريقيا في كأس العالم يكتب على مراحل. ستكبر المقاعد لاحقاً، وستتسع الطموحات، وسيعود المغرب نفسه ليعبر الدور الأول سنة 1986، ثم ليبلغ نصف النهائي سنة 2022. غير أن أصل الحكاية يبقى هناك: في مواجهة إسبانيا، وفي مقاطعة 1966، وفي بطاقة مكسيكو 1970.
من عشرة مقاعد إلى ذاكرة واحدة
يفتح مونديال 2026 صفحة جديدة لإفريقيا. عشرة مقاعد، وتسعة منتخبات في دور الـ32، وحضور قوي يغير صورة القارة داخل البطولة. لكن قراءة هذا الحاضر بلا ذاكرة تجعله رقماً ناقصاً.
يحتاج هذا الرقم إلى أن يُقرأ من المغرب. فمن هنا مر واحد من أوائل الدروس القاسية. ومن هنا خرج الوعي بأن التمثيل لا يُمنح لمن ينتظر، بل يُنتزع ممن يملك تجربة الظلم وجرأة تحويلها إلى موقف.
لا يعني ذلك أن المغرب صنع المعركة وحده. فقد شاركت قوى إفريقية أخرى في الاحتجاج، وكانت غانا وإثيوبيا والكاف جزءاً مركزياً من الضغط. لكن المغرب أعطى المعركة معناها الميداني الأكثر وضوحاً، لأنه كان المنتخب الذي اختبر النظام، وخسر بسببه، ثم عاد ليكسب أول مقعد مباشر للقارة.
تبدو إفريقيا اليوم وهي تملأ دور الـ32 كأنها تستعيد ديناً قديماً. وفي قلب هذا الدين تقف ذاكرة مغربية لا تبحث عن المبالغة، بل عن الإنصاف. فقد كان هناك زمن لم تكن فيه القارة تملك سوى نصف طريق إلى كأس العالم. وكان هناك مغرب قرر أن نصف الطريق لا يكفي.
من نصف مقعد إلى عشرة مقاعد، لم تتغير الأرقام فقط. تغيرت علاقة إفريقيا باللعبة، وتغيرت علاقة اللعبة بإفريقيا. وبين الرقمين، ظل المغرب حاضراً: جريحاً أولاً، ثم قائداً للاحتجاج، ثم أول عابر بالمقعد الذي انتزعته القارة من قلب الفيفا.

