أعمدة رأي

نكتة مغربية.. لا يصلح “البودكاست” ما أفسده “البارابول”.

بقلم: عمر لبشيريت

النكتة الأولى:

يتذكّر الجميع حين قرّر وزير الداخلية الراحل إدريس البصري سنة 1992 منع المغاربة من اقتناء «البارابول» للتعرف على ما يجري في العالم، وما يقوله العالم، والهروب من «روتين» التلفزة العمومية.

ضغط البصري وحشد الأغلبية الحكومية، وكان ذلك سهلًا كما هو الحال اليوم، فصدر يوم 13 أكتوبر 1992 مرسوم قانون خاص بــ«إحداث رسم على إقامة المحطات الأرضية الخاصة المعدّة لالتقاط الإشارات الإذاعية والتلفزية الصادرة عن أقمار صناعية».

وبموجب هذا المرسوم أصبح المغاربة ملزمين بتقديم طلب لمصالح الإذاعة والتلفزة وأداء مبلغ خمسة آلاف درهم ـ وكان مبلغًا كبيرًا آنذاك ـ من أجل مشاهدة القنوات العالمية ومغادرة الفضاء الإعلامي المحلي.

بعد سنة واحدة أسقط المجلس الدستوري هذا القانون، مستغلا مبررات شكلية، أوّلًا لأن المغرب أصبح مثار سخرية في العالم، وثانيًا لأنه كان يتعارض مع المناخ العالمي الذي جعل من تطوّر وسائل الاتصال موضة جارفة، والانفتاح على الإعلام والحق في الوصول إلى المعلومة حقًا مضمونًا عالميًا.

النكتة الثانية:

قبل سنوات، قرّرت الدولة المغربية رسميًا في يناير 2016، عبر «الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات»، منع تقنيات الاتصال عبر تطبيقات فايبر وواتساب وسكايب.

لكن عملية المنع لم تدم طويلًا؛ أوّلًا لأنها غير قانونية، وثانيًا لأنها فكرة متخلّفة وغبية حاولت إيقاف الزحف التكنولوجي المتسارع في مجال الاتصالات، ولم تستطع. وللمرّة الثانية كنّا أضحوكة أمام العالم.

السياق:

هاتان النكتتان نستحضرهما اليوم لما أسفر عنه الأسبوع الماضي الجمع العام لـ«الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين». لا تهمّنا نتائج الجمع العام المذكور، ذلك شأن خاص بهذه الفئة من الناشرين، من ضمن فئات أخرى، ولهم ما ارتضوا بمن يرأسهم، فنحن لا دخل لنا بأذواق الناس.

ما يعنينا هو ما صدر عن رئاسة الجمعية وما تبشّر به مستقبلًا.

تزعم رئاسة هذه الجمعية أنّها ستتولّى مهمّة محاربة «البودكاست» في المغرب، وتهدّد بأنّها ستنسّق وتعمل في ذلك مع الجهات الحكومية والقضائية وستتدخل وتتصرف بصرامة.

هكذا، وبكل جرأة، وفي وصاية على الناس وعلى باقي السلطات، تقرّر هذه الجمعية ما يجب على المغاربة أن يشاهدوه، وما يجب على الإعلاميين أن يمارسوه.

مثل هذا الكلام لا يمكن أن يقبله أي مغربي من وزير في الحكومة أو رئيسها أو حتى من رئيس السلطة القضائية، فكيف يُقبل من جمعية تمثّل فئة محدودة من الناشرين؟

أن تقرّر جمعية، تمثّل فئة معينة من الناشرين وليس كلهم، ما يجب وما لا يجب في مجال نشر وإذاعة الأخبار والمعلومات، وما ينبغي للمغاربة أن يشاهدوه ويختاروه كوسيلة للاطلاع والتثقيف والتواصل والنشر، هي نكتة سخيفة توازي سخافة وبلادة حكاية «البارابول» و«الواتساب».

من يعطي الحق لجمعية، هي مثل باقي الجمعيات، أن تتولى، نيابة عن المغاربة، التقرير في مصيرهم واختياراتهم وميولاتهم التعبيرية وأذواقهم الإعلامية؟. ومن أين لها هذه السلطة التي تقول إنها ستمارسها بصرامة؟ ومن فوض لها ذلك؟

هل نحن أمام تغوّل جديد في مجال الإعلام؟ كيف يسمح البعض لأنفسهم بالتشريع للمغاربة، ونيابة عن مؤسساتهم التي تقوم بمهام التشريع، وبكل هذه الجرأة، لنسخ نموذج من «البعث الإعلامي»؟

إننا أمام قمّة العبث وقمّة البلادة أيضًا، وللأسف أمام قمّة التغوّل و«السيبة» والوصاية على المغاربة. نحن أمام نموذج جديد من «الحماية».

«البودكاست» ـ لمن يجهله ـ ليس جنسًا صحافيًا بحدّ ذاته، بل هو وسيلة ورافعة ومنصّة حديثة للتعبير والنشر والتثقيف، يمكن أن تحتضن كل الأجناس الصحافية وغير الصحافية: الرأي والتحليل، التعليق، الإخبار، التحقيق، الاستجواب، المناظرة، الندوات، الموسيقى، والآداب…

لذلك نجد كبار المعلّقين يتوفّرون على برامج «بودكاست» خاصة بهم، وأشهر القنوات والجرائد تتوفّر على برامج «بودكاست» خاصة بها. إنّه الأسلوب الجديد في النشر والمنصّة الجديدة لممارسة الحق في التعبير والرأي التي تضمنها المواثيق الدولية.

عندما يلتقي الجهل مع التغوّل، ينتج لنا مثل هذه النكت التي تذكّرنا بما وقع في عهد إدريس البصري سنة 1992 وفي 2016.

وليس غريبًا، أن نرى هذه الشهيّة المفتوحة للتغوّل الإعلامي ما دامت الجمعية نفسها قد حظيت بقانون على مقاسها من طرف وزير الثقافة والإعلام؛ قانون يجمع على معارضته، كل من الناشرين ونقابات الصحافيين وهيئات المجتمع المدني ووزراء الإعلام السابقين والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومع ذلك أصرّ الوزير على معاكسة إجماع المجتمع وإرضاء «شلّة» من الناشرين وتمكينهم من الانفراد بالسلطة على الإعلام، كل السلطة.

والنتيجة: ستُضاف نكتة جديدة إلى سجلنا، وسنكون مرّة أخرى محلّ سخرية العالم.

ومرة أخرى، لا تهمّنا هيكلة الجمعية بقدر ما يهمّنا مساءلة تاريخ السنوات العشر الأخيرة التي هيمنت فيها هذه الجمعية. مثلما لا «يصلح الدهر ما أفسده العطّار»، لا يمكن أن يتولّى الإصلاح من كان شاهدًا ومساهمًا في فساد المشهد الإعلامي، أو من أنبت وزرع ورعى كل مظاهر الخراب الإعلامي، أو من يقلّ في سفينته متزعّمي التشهير وإفساد الذوق والهجوم على الحياة الخاصة للناس، أو من يفتقد للمصداقية.

عشريّة سوداء عاشها الإعلام المغربي، رغم توفره على كفاءات إعلامية كثيرة، أنزلته إلى أسفل الحضيض، وأعطتنا صحافة بلا مقروئية، تنهش في أعراض الناس وكل من عبّر بحرية عن رأي مخالف، بلا تأثير داخلي ولا صدى خارجي، رغم كل الدعم المالي والسلطة والتغوّل الذي مُنح لهم، منح لهؤلاء الناشرين. عشريّة يتحمّل كامل المسؤولية فيها هؤلاء الذين يطلقون علينا، اليوم، النكت السخيفة، بدعوى الإصلاح.
فعلا لا يصلح “البودكاست” ما أفسده “البارابول”.

Shortened URL
https://safircom.com/k7bh
Lebchirit

Recent Posts

تقرير طبي يكشف إصابة نتنياهو بالسرطان

كشف تقرير طبي رسمي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خضع قبل أشهر لعملية جراحية…

6 ساعات ago

“المحج الملكي” … أربعون سنة من الفشل البيروقراطي تحسمها جرافات مونديال 2030

إنجاز: عمر لبشيريت - عثمان عشقي وسط الدموع والحسرة وألم الفراق، والغضب والإحساس بالعجز و”الحكرة”،…

6 ساعات ago

تقدم متسارع في مشروع القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش بعد عام من إطلاقه

أعلن المكتب الوطني للسكك الحديدية، اليوم الجمعة، أن مشروع إنجاز الخط الجديد للقطار فائق السرعة…

6 ساعات ago

مانشستر سيتي يستهدف التعاقد مع أوناحي لتعويض رحيل برناردو سيلفا

يسعى نادي مانشستر سيتي إلى استغلال علاقته مع جيرونا من أجل التعاقد مع الدولي المغربي…

7 ساعات ago

الرباط تحتضن أول مكتب إفريقي للابتكار السياحي تابع لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة

أشرفت وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني فاطمة الزهراء عمور، إلى جانب الأمينة العامة…

7 ساعات ago

وزير خارجية إيران يتجه إلى باكستان والتفاؤل يتزايد بشأن احتمال عقد محادثات

من المتوقع أن يصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة الباكستانية إسلام اباد اليوم…

8 ساعات ago

This website uses cookies.