بقلم: مصطفى العراقي*
في بداية كل صيف يتصدر موضوع التخييم بالمغرب اهتمامات الوزارة والجمعيات وتضعه عدة منابر إعلامية ضمن القضايا التي تعالجها إسهاما من بعضها في لكشف عن واقع فضاءات هذا النشاط التربوي وعن إحصائياته وحقائقه…
في بداية كل صيف يتكرر جزء من صورة الموضوع. تراه الوزارة الوصية بأنه “مشرق” بإعداد المستفيدين ومبادرات المسؤولين وتقدمه العديد من الجمعيات والمهتمين بأنه “مأساوي” في بنياته وتجهيزاته وتغذيته ومضامين مراحله…
هي 47 مركزا للتخييم موضوع الصورة بعضها تم إغلاقه وبعضها تدهورت حالته وتقلصت حمولته …وبعضها تم إنشاؤه أو إصلاحه …
هذه بعض الحقائق عن الموضوع وصورته التي لا يستطيع غربال الوزارة ان يحجبها بالرغم من سياسة “التجميل” وشعارات “التمجيد:
أولا؛ ليس هناك سياسة عمومية في مجال التخييم تقدم تصورا لتدبير الفضاءات وبرمجة التوسيع والإصلاح للمدى القريب والمتوسط.. هناك مرسوم صدر قبل سنوات حل محل قانون كان مشروعه على طاولة الوزارة الوصية وهو مرسوم “تقني/إداري” ليس إلا.
إن من ميزات السياسة العمومية هو الاستقرار المرحلي في التنفيذ قصد بلوغ الأهداف المحددة.. وما نراه في الممارسة القطاعية الرسمية لوزارة الشباب لا يخرج عن الترقيع من جهة وإلقاء “الحمل” على المسؤولين الجهويين والاقليميين للتعامل مع واقع المراحل التخييمية وما تطرحه من مشاكل ومفاجآت مع الإشارة الى أن بعض هؤلاء المسؤولين يستطيبون وضعا كهذا لانسجامه مع نواياهم ومصالحهم.
ثانيا؛ بالرغم من ارتفاع الاعتمادات المرصودة للمخيمات مقارنة مع ما كان عليه الوضع قبل عقدين تقريبا فإن ذلك لم ينعكس إيجابيا على مستوى أعداد المستفيدين ولا عدد المراكز على مستوى بيئتها أو بنياتها ومرافقها.. وحتى التجارب المضيئة في تاريخ المخيمات والتي انفتحت على استغلال المؤسسات التعليمية والداخليات والفضاءات التي تتوفر فيها شروط هذا النشاط التربوي تم تهميشها أو الاعتماد عليها فقط في حال المآزق التي تصادف البرمجة والتوزيع كما هو الشأن بالنسبة لهذه السنة التي قررت فيه السلطات الإقليمية بإفران إغلاق أكثر من مركز …
ثالثا؛ لم يعد مفهوم المستفيد من المخيمات يقتصر على الأطفال فقط. إذ توسع رغم أنف الجمعيات، ولغايات في جيب مسؤولين. فأصبح ممونو المطعمة الرئيسيين والمناولين وشركات تأمين في عداد المستفيدين بحصة مالية مهمة الى درجة أصبح معها تنظيم المخيمات يضع من أولويات أولوياته مصلحة هؤلاء المستفيدين الجدد. ناهيك عن أولئك المستفيدين من مسؤولي جمعيات تتلاعب في المسافة بين الممون وصحن الطفل …
رابعا؛ أن هناك تباينات متعددة في مجال التخييم. أبرزها:
ترابي إذ تتوفر جهات على مراكز بطاقة استيعابية قد تفوق الألف.. وجهات بعدد متواضع لا يتناسب وعدد أطفالها..
هناك النسبة العامة للأطفال المستفيدين التي لا تشرف المغرب ذي السبعة عقود من الاستقلال. مثلا إذا أخذنا وحسب ما صرح به الوزير الحالي أن العدد بلغ 250 ألف، فإن هذا الرقم لا يمثل سوى 3 بالمائة من عدد أطفال المغرب الذي تجاوز 7 مليون ونصف (7 الى 17 سنة).
أن أطفال البوادي لا يستفيدون بقدر ما يستفيد نظراءهم بالمدن..
خامسا؛ يتوفر المغرب، في جباله وشواطئه على أماكن تنسجم وشروط إنشاء مراكز للتخييم. لكن ها نحن وبعد سبعين سنة من الاستقلال هناك فقط 47 مركزا أكثر من نصفها ورثناه من عهد الحماية وربع هذا الإرث أغلقناه دونما مبررات مقنعة بالرغم من أنه تواجد في أماكن رائعة.. وأصبحنا ننتظر وبمعدل عقد من الزمن أي كل ولاية حكومية ونصف كي يتم الإعلان عن انشاء مركز جديد.. يبدو أن هناك ما يشبه عجزا لدى جل الولايات الوزارية المتعاقبة في تدبير وتهيئة هذا “الكم” وجعله يرتقي إلى مستوى يليق بالمستفيدين ويسند المؤطرين في مهامهم.. ويسهل مهام المشرفين الإداريين بدل ان يصبح المخيم هو تدبير لمشاكل اكثر من دينامية تربوية.
سادسا؛ الملاحظ أن موضوع المخيمات أصبح اليوم وأكثر من أي وقت مضى يخضع لعاملين.. أولهما أن مساحة الاستغلال السياسي اتسعت سواء بالنسبة للخطاب الرسمي او من طرف بعض الجمعيات المستفيدة.. وان هناك تهافتا تشتم منه روائح الدعاية الانتخابية .وثانيا هناك “دوباج” يطال الاحصائيات التي تعرض هنا وهناك بمناسبة او دون مناسبة إلى درجة أصبح فيها المركز الواحد من الشبكة وكأنه استقبل الاف المستفيدين في مراحل التخييم.
سابعا؛ كيف لوزارة من المفترض فيها ان تعمل على توسيع شبكات المخيمات ومراكز الاستقبال أن تعتزم تفويت جزء من هذه الشبكة الى مؤسسة اقتصادية لها من الإمكانيات ما يجعلها “تلعب” بعيدا عن ممتلكات وزارة الشباب؟؟ إن هذا التفويت والذي يعارضه الحقل الجمعوي خاصة اتحاد المنظمات التربوية هو دليل على أن هناك فقر ابداعي لدى وزارة عليها ان تستفيد من إمكانيات هذه المؤسسة الاقتصادية لتطوير المخيمات ومراكز الاستقبال ودور الشباب والأندية النسوية و…ربما كان من الاحرى بها ان تتجه الى الجماعات الترابية التي أناط بها المشرع مهام تقديم خدمات القرب وذلك لإيجاد صيغة لتوسيع شبكة المخيمات وتمويلها ببعد اجتماعي يستفيد منه الأطفال . وفي القوانين التنظيمية المؤطرة لهذه الجماعات ما يمد الجسور الى تنسيق مع الوزارة …
ثامنا؛ تم اختزال مفهوم الشراكة بين الوزارة والجمعيات عشية انطلاق العملية التخييمية في وثيقة “إدارية ضبطية” لا تنتج مشاريع ولا تلد مبادرات ولا تشكل قيمة مضافة للرصيد التاريخي في للمدرسة الجمعوية في جانبها التطوعي. وحتى تلك الاوراش المضيئة التي أبدعتها جمعيات مثل حركة الطفولة الشعبية بخرزوزة (بإمكانياتها المادية والبشرية) تم التضييق عليها بل ومحاربتها من طرف أكثر من مسؤول أفقي أو عمودي…
تاسعا؛ هناك مستوى التأطير الذي عليه ان يواكب التحولات على مستوى اهتمامات الأطفال والشباب والاجيال الجديدة للتكنولوجيا ذات العلاقة بالمعرفة والتواصل. إن التنسيق بالنسبة للتكوينات التي تنظمها الوزارة وتلك التي تبادر اليها الجمعيات اصبح ضرورة لبناء مؤطر له من الإمكانيات المعرفية في التعامل مع الفئات المستفيدة تربويا من المخيمات موضوعاتية كانت او عامة .
عاشرا؛ وهنا لابد من الإشارة والتذكير بتلك الولاية الوزارية المضيئة في مسار الوزارة في عهد الوزير محمد الكحص والتي امتدت حقبتها بين سنتي 2002 و2007 وما كان لها من انخراط واسع لجمعيات وكفاءات. من أطر رسمية ومثقفين وفاعلين في مجالات شتى …تجربة استفاد منها أكبر عدد من أطفال المغرب وشبابه وتميزت بتنوع الأنشطة بل أصبح النظر اليها وكأننا ننظر وبحسرة الى تجربة حكومة عبد الله إبراهيم في نهاية خمسينيات القرن الماضي. لماذا لا نستثمر رصيدا إيجابيا ونطوره بدل التكالب عليه والسعي الى محو معالمه؟؟
وأخيرا لا بد من توجيه التحية لأطر في الوزارة ان على المستوى المركزي او الإقليمي أو الجهوية والتي تشتغل بنكران الذات وتضع في مركز اهتمامها المصلحة الفضلى للطفل ايمانا منها بان التخييم حق وليس امتياز. أطر تشكل نقطا مضيئة في هذه الوزارة وتتوفر على ما أتيح لها من إمكانيات كي تمر المراحل بأقل ما يمكن من المشاكل وبأكثر ما يمكن من الاستفادة التربوية..
*فاعل جمعوي


