في قلب جبال أغبالة آيت سخمان، حيث القرى البعيدة عن مراكز القرار وفرص الاستثمار شبه المنعدمة، كتبت فتاة لم تتجاوز الـ18 سنة من عمرها قصة نجاح مختلفة، فلم يكن رأسمالها سوى منحة دراسية وحلم كبير، رأت من خلاله تفاح المنطقة المصاب بالعثة فرصة عوض أن يكون خسارة، فحولته إلى تعاونية نسوية تشغل اليوم 30 أرملة وتوفر فرص عمل موسمية لبنات المنطقة، كما أنها تحصد بين الفينة والأخرى جوائز مرموقة.
وهذا نص الحوار الذي أجرته صحيفة “سفيركم” الإلكترونية مع منى الإدريسي:
في البداية، من هي منى الإدريسي؟
أنا منى الإدريسي، شابة مغربية، ابنة فلاح من منطقة أغبالة آيت سخمان. عشت طفولتي وبدايات مراهقتي في أغبالة، قبل أن ننتقل إلى بني ملال لمتابعة دراستي، حيث حصلت على شهادة الباكالوريا من ثانوية الحسن الثاني، كما أنني مؤسسة تعاونية “تيميشا” المتخصصة في تثمين التفاح بالمنطقة نفسها.
ما قصة اسم “تيميشا”؟
اسم “تيميشا” مرتبط بالدوار الذي أنتمي إليه، حيث يوجد مقر التعاونية، وكان يعرف قديما باسم “أوميشا”. وحكى لنا أحد كبار السن بالدوار أنه في الماضي كانت توجد أحجار بالمنطقة إذا احتكت ببعضها تنبعث منها شرارات نار، وكان يُطلق عليها اسم “تيميشا”. وعند تأسيس التعاونية النسوية، اخترنا هذا الإسم الذي أعجبتني رمزيته ووجدت فيه تعبيرا عن هوية المشروع وارتباطه بالمنطقة.
كيف جاءت فكرة تأسيس تعاونية “تيميشا”؟ وهل صحيح أنك أسستها في 18 سنة وبمنحة دراسية؟
بحكم نشأتي في منطقة قروية، كنت قريبة من الفلاحين ومشاكلهم، خاصة أن والدي فلاح، وأختي كانت تشتغل في تخزين التفاح كبير الحجم داخل المبردات.
منذ المرحلة الإعدادية، شجعني والدي وإخوتي على التفكير في إنشاء مشروع بالموازاة مع الدراسة، كما لفتت أختي انتباهي إلى مشكل ضياع التفاح الصغير، الذي تنتج منه منطقة أغبالة حوالي 80 ألف طن سنويا، تضيع منها نسبة 50 في المائة بسبب إصابته بالعثة.
وبعد حصولي على الباكالوريا سنة 2017، قررت دراسة مجال تصنيع المواد الغذائية، مع ادخار منحة السنة الأولى من أجل إطلاق المشروع. وبما أن دوار آيت سخمان كان في حاجة ماسة إلى مشروع يوفر فرص شغل للنساء، خاصة الأرامل والمعيلات لأسرهن، اقترحت علي أختي إنشاء تعاونية بدل شركة، نظرا لبعدها الإنساني وتكلفتها المنخفضة.
وهكذا، أسست التعاونية سنة 2018، وأنا في 18 سنة، بمنحة دراسية كانت في حدود 10 آلاف درهم سنويا. اقتنينا بها المعدات الأساسية، وبدأنا العمل بشكل تقليدي من المنزل، بالموازاة مع متابعتي للدراسة. ولاحقا، منحنا والدي مقر التعاونية، وبدأنا تدريجيا في ترميمه إلى أن جعلنا منه مقرا يليق بمثل هذه التعاونية.
هل كان من السهل إقناع النساء بالانخراط في التعاونية؟
لم يكن الأمر سهلا في البداية، لأنهن كن مترددات ومتخوفات من تبعات هذه الخطوة، وهو أمر طبيعي وأتفهمه كليا. بدأت بخمس نساء فقط، واستغرق الأمر حوالي سنتين لإقناعهن بالانخراط الرسمي، وهي الفترة نفسها التي أنهيت خلالها دراستي في مجال تصنيع المواد الغذائية.
بعد ذلك، جاءت جائحة كورونا، فاضطررت إلى توقيف المشروع مؤقتا والتفرغ للدراسة. ومع حصولي على الدبلوم سنة 2020، عدت للاشتغال على المشروع بشكل مكثف، قبل أن يحصل على جائزة لالة مريم للابتكار والتميز، كأول مشروع على المستوى الوطني ينال هذا التتويج.
ما هي التحديات التي واجهتها في المراحل الأولى لمشروعك؟
إن أكبر التحديات كانت مادية، بحكم أننا طالبات ولا نتوفر على رأس مال، وكانت المنحة الدراسية مصدر دخلنا الوحيد. ورغم الصعوبات، لم نلجأ إلى القروض، واعتمدنا فقط على المبالغ التي حصلنا عليها من بعض المسابقات.
أما التحدي الثاني فقد كان مرتبطا ببعد الدوار عن مدينة بني ملال، وما يصاحب ذلك من تكاليف مرتفعة في النقل والتسويق. ورغم هذه الصعوبات استمرينا، حتى وإن راودتني بين الفينة والأخرى فكرة توقيف المشروع، خاصة عندما كانت بعض النساء يترددن أو يرفضن الانخراط.
كيف انعكس تأسيس هذه التعاونية على أوضاع الفلاحين ونساء المنطقة؟
اليوم، تشغل التعاونية 30 امرأة من الدوار، كلهن أرامل، إضافة إلى فريق عمل من مدن أخرى مثل الدار البيضاء وبني ملال. كما أحرص خلال فترات العطل على فتح باب العمل الموسمي لفتيات المنطقة، بعضهن أصبحن متمرسات في هذا المجال.
ونشتغل حاليا على مشروعين جديدين نحضر لهما في نفس الدوار، أحدهما مصنع صغير والآخر تعاونية صغيرة، ومن المرتقب افتتاحهما قريبا. وعندما أقارن تردد النساء في البداية مع مطالبهن اليوم بإحداث مشاريع جديدة، يتضح لي جليا حجم الأثر الاجتماعي والإنساني الذي أحدثته تعاونية “تيميشا”.
حدثينا عن تفاصيل آخر جائزة حصلت عليها التعاونية؟
حصلت تعاونية “تيميشا” على عدة جوائز، من بينها جائزة لالة مريم للابتكار والتميز، والدرع الذهبي، وأرض النساء، وجائزة “Innov Days” وآخرها جائزة التميز للمرأة المغربية في غشت 2024، التي منحتها لنا وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، بعد زيارة ميدانية دامت يوما كاملا، اطلع خلالها موظفي الوزارة على طريقة اشتغال التعاونية، كما تفاجأوا بكون “تيميشا” التعاونية الوحيدة في المنطقة التي تشتغل وفق المعايير المطلوبة وتوفر فرص شغل قارة للنساء، وهو ما أهلها للتتويج، في منافسة ضمت 12 امرأة يمثلن كافة جهات المغرب.
ما أكثر محطة تفتخرين بها في مسارك؟
أفتخر بجميع المحطات التي مررنا بها، سواء كانت صعبة أو مفرحة، لأنها شكلت تجربة إنسانية ومهنية مهمة. لكن جائزتي لالة مريم والتميز ستبقيان الأقرب إلى قلبي، خاصة وأننا بنات دوار بعيد، بدأنا بإمكانيات بسيطة، وبمنحة دراسية، وأصبحنا اليوم ندير تعاونية توفر فرص شغل حقيقية للنساء.
هل تعتقدين أن هذه الجوائز تشكل اعترافا بجودة المنتوج فقط، أم أيضا بقصة النساء اللواتي يقفن خلفه؟
أعتقد أنها اعتراف بفكرة المشروع وبقصص وظروف النساء القرويات اللواتي يقفن خلفه، وبمجهودهن اليومي الذي يتم في صمت. كما كان لهذه الجوائز أثر إيجابي على رقم معاملات التعاونية، وتحسين صورة الدوار وأغبالة ونساء المنطقة.
في الأخير، لو طلبت منكِ تلخيص تجربة تيميشا في رسالة واحدة موجهة لنساء المغرب، ماذا ستقولين لهن؟
رسالتي لجميع النساء هي أن النجاح لم ولن يكون سهلا أبدا، فطريقه دائما محفوف بالصعوبات والتحديات والابتلاءات، وفي عز هذه المشاكل تكتشف المرأة شخصيتها الحقيقية وتنميها وتتبنى تفكيرا جديدا وتغييرا جذريا، ولا يجب أن يضعن حواجز أمامهن ولا ينظرن إلى ظروفهن القاهرة على أنها عوائق، بل محفزات للاستمرار والانضباط بالخطوات البسيطة التي دائما ما تؤدي إلى نجاحات كبيرة، وأنصحهن بقراءة قصص نجاح الآخرين التي تبقى مصدر إلهام مهم.








