تختبر رحلة بحرية لمجتمع “الميم” أو “المثليين” تنطلق من السعودية عام 2027 حدود الانفتاح الذي تسعى المملكة إلى إبرازه. خصوصا مع استعدادها لاستضافة كأس العالم لكرة القدم سنة 2034. وسط استمرار القيود القانونية والاجتماعية المفروضة على العلاقات المثلية.
ودعت شركة الرحلات البحرية الأميركية “فاكايا”، المتخصصة أساسا في تجارب السفر الموجهة لأفراد مجتمع “الميم”، المسافرين إلى حجز أماكنهم في رحلة وصفتها بأنها «فرصة لصنع التاريخ». على أن تنطلق من ميناء جدة نحو عدد من الوجهات الإقليمية.
وتأتي الخطوة بعد سلسلة إصلاحات اجتماعية واقتصادية شهدتها السعودية خلال السنوات الأخيرة بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وشملت هذه الإصلاحات السماح للنساء بقيادة السيارات. وتقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفتح البلاد أمام السياح غير المسلمين.
رحلة 2027 تنطلق من جدة
وتمثل الرحلة، التي تحمل اسم «الليالي العربية»، سابقة بالنسبة إلى السعودية. إذ ينتظر أن يصل عشرات المسافرين جوا إلى المملكة قبل ركوب السفينة من ميناء جدة. في برنامج سياحي تعلن الشركة أنه موجه بصورة أساسية إلى المثليين وأفراد مجتمع الميم.
ونشرت “فاكايا” على موقعها رسالة مخصصة للوجهة السعودية. قالت فيها إن زيارة المملكة ظلت، طيلة عقود، أمرا يصعب على أفراد مجتمع الميم مجرد تخيله. قبل أن تشير إلى ما وصفته بتحول هادئ ولافت يرتبط بمحاولات تنويع الاقتصاد وإعادة تشكيل صورة البلاد دوليا.
وتنطلق الرحلة بين 28 مارس و7 أبريل 2027، وتربط جدة بمدينة العين السخنة المصرية، مرورا بمحطات في إسرائيل والأردن. وتتراوح أسعار الحجز المعلنة بين نحو 9900 و57 ألف دولار أميركي، بحسب نوع الإقامة والخدمات المختارة.
وتتيح الرحلة للمشاركين زيارة جدة، ثاني أكبر مدينة سعودية بعد الرياض، والتجول في حي البلد التاريخي المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. إضافة إلى الواجهة البحرية ومناطق سياحية أخرى داخل المدينة.
انفتاح سياحي قبل مونديال 2034
تثير الرحلة تساؤلات حول ما إذا كانت الرياض تسعى، قبل سنوات من استضافة كأس العالم 2034، إلى طمأنة الزوار من مجتمع الميم وإقناعهم بإمكانية دخول المملكة، رغم استمرار تجريم العلاقات المثلية استنادا إلى الشريعة الإسلامية.
ويستند النظام القانوني السعودي إلى الشريعة، التي تحظر العلاقات المثلية، رغم غياب قانون جزائي شامل يتناول المسألة بشكل مفصل. وتقول منظمة العفو الدولية إن العقوبة قد تصل نظريا إلى الإعدام. لكنها لم توثق حالات إعدام حديثة بسبب العلاقات المثلية وحدها.
وواجهت قطر، خلال استضافتها كأس العالم سنة 2022، انتقادات واسعة مرتبطة بحقوق المثليين. وتعيد التجربة القطرية طرح مسألة تعامل السعودية مع الزوار خلال مونديال 2034. ومدى انعكاس الانفتاح السياحي على القوانين والممارسات الداخلية.
ويرى نشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان أن سياسة الانفتاح السعودية تسير بوتيرتين مختلفتين، إذ يحصل الزوار الأجانب على مساحة أوسع في بعض الفعاليات والوجهات. بينما يظل المواطنون السعوديون خاضعين لقيود اجتماعية وقانونية أكثر تشددا.
طارق عزيز يتحدث عن “نسختين”
ويصف الناشط السعودي طارق عزيز الوضع بأنه يعكس وجود نسختين متناقضتين من السعودية. ويقول لوكالة فرانس برس إن النسخة الموجهة للأجانب تبدو أكثر انفتاحا وتسامحا. بينما تظل النسخة الداخلية المخصصة للمواطنين أكثر تشددا وتقييدا للحريات والحقوق.
كما لجأ عزيز، وهو محام، إلى الولايات المتحدة بعد اعتقاله بين عامي 2021 و2022 بسبب منشورات على منصة تويتر، التي أصبحت تسمى «إكس». واعتبرت السلطات تلك المنشورات مخلة بالنظام العام والقيم الدينية والأخلاقية، وفق منظمة القسط لحقوق الإنسان التي تتخذ من لندن مقرا.
وتؤكد هيئة السياحة السعودية، ردا على الأسئلة المتعلقة بزيارة المثليين، أن المملكة ترحب بجميع الزوار ولا تطلب منهم الإفصاح عن خصوصياتهم. لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة احترام العادات والتقاليد والالتزام بالأنظمة والقوانين المعمول بها.
وكرر المنظمون السعوديون الموقف ذاته في مناسبات عدة، ردا على التساؤلات بشأن استقبال أفراد مجتمع الميم خلال كأس العالم 2034، دون الإعلان عن تعديلات قانونية خاصة بالبطولة أو ضمانات منفصلة تتعلق بحقوق الزوار.
مظاهر انفتاح وحدود داخلية
يبرز مهرجان «إم دي إل بيست» للموسيقى الإلكترونية ضمن أبرز مظاهر الانفتاح الترفيهي في السعودية. ويستقطب المهرجان جمهورا متنوعا، ويظهر خلاله رجال يضعون المكياج أو يرتدون قمصانا قصيرة إلى جانب آخرين يرتدون الزي السعودي التقليدي.
ويتمكن بعض الأزواج المثليين الأثرياء، وفق شهادات جمعتها وكالة فرانس برس، من العيش معا بسرية تامة داخل أحد الأحياء السكنية الراقية في الرياض، في وقت تظل فيه المثلية الجنسية من الموضوعات المحظورة اجتماعيا داخل السعودية، كما هي الحال في معظم المجتمعات العربية.
وتجنب أفراد من مجتمع الميم داخل المملكة تقديم شهاداتهم للوكالة، بسبب خشيتهم من التحدث علنا في الموضوع. ويرى مراقبون أن السلطات قد تتغاضى عن العلاقات المثلية عندما تبقى سرية بالكامل، بينما يمكن أن يؤدي التعبير العلني عنها إلى الملاحقة.
وتقول دانا أحمد، الباحثة في منظمة العفو الدولية لشؤون الشرق الأوسط، إن الدفاع العلني عن حقوق مجتمع الميم قد يؤدي إلى السجن. وتوضح أن آخر الحالات التي وثقتها المنظمة تعود إلى سنة 2022، وترتبط بحرية التعبير أكثر من ارتباطها بحملة مباشرة تستهدف المثليين.
ويعتبر طارق عزيز أن أفراد مجتمع الميم السعوديين ما زالوا مهمشين، ويطالب بقوانين تحميهم من التمييز والاضطهاد والكراهية. وتضع هذه المطالب الرحلة البحرية المرتقبة أمام مفارقة بين الانفتاح السياحي الموجه إلى الخارج والقيود التي يواجهها المواطنون داخل المملكة.

