تتجه العلاقات المغربية الفرنسية إلى دخول مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الاستراتيجية. بعدما أعلن الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس ستشهد توقيع “معاهدة صداقة غير مسبوقة”. في خطوة تعكس التحول الذي عرفته العلاقات الثنائية خلال الأشهر الأخيرة، عقب اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع انعقاد الاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى بالرباط، الذي ترأسه رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى جانب الوزير الأول الفرنسي، بحضور وفد حكومي فرنسي يضم 12 وزيرا. حيث أكد أخنوش أن هذا اللقاء يشكل بداية تنزيل الشراكة الاستثنائية الوطيدة التي وقعها الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير إلى المغرب.
ويؤشر هذا المسار على انتقال العلاقات بين الرباط وباريس من مرحلة إعادة الثقة إلى مرحلة تفعيل المشاريع والاتفاقات الكبرى. في أفق إرساء إطار مؤسساتي جديد ينظم التعاون الثنائي ويمنحه بعدا استراتيجيا طويل الأمد. عبر معاهدة يرتقب أن تكون الأولى من نوعها بين فرنسا ودولة من خارج القارة الأوروبية.
زيارة تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الثنائية
وفي هذا السياق، قال الدكتور مصطفى الفصحي، أستاذ العلاقات الدولية، إن زيارة الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو، مرفوقا بوفد حكومي يضم 12 وزيرا. من بينهم وزير الداخلية ووزير الخارجية، إضافة إلى لجنة الحكماء التي تضم خمس شخصيات فرنسية وست شخصيات مغربية. واللقاءات التي عقدها الوفد مع نظرائه المغاربة برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، تأتي في سياق سياسي واستراتيجي خاص.
وأوضح الفصحي في تصريح لموقع “سفيركم”، أن هذه الزيارة تعد أول لقاء رفيع المستوى بين وزراء حكومتي البلدين منذ سنة 2019. وتهدف إلى تقوية وتعزيز التعاون الثنائي، خاصة بعد الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء وخروج باريس من “المنطقة الرمادية”. وهو ما وضع حدا لحالة الفتور التي طبعت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الماضية.
وأشار الخبير في العلاقات الدولية، إلى أن أهمية الزيارة لا ترتبط فقط بحجم الوفد الوزاري الفرنسي. وإنما أيضا بكونها تأتي في إطار التحضير لصياغة معاهدة صداقة استثنائية بين البلدين. يرتقب توقيعها خلال الزيارة المنتظرة للملك محمد السادس إلى باريس خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وأبرز المتحدث أن هذه المعاهدة وصفت من قبل مسؤولي البلدين بأنها “غير مسبوقة”، وستكون الأولى التي تبرمها فرنسا مع دولة من خارج القارة الأوروبية. مبرزا أنها سترتقي بالعلاقات المغربية الفرنسية من مستوى التعاون الثنائي التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد. بما يجعلها أقل تأثرا بالتغيرات السياسية التي قد تعرفها الحكومتان، بالنظر إلى قوتها القانونية والإلزامية مقارنة بالاتفاقيات العادية.
الطاقة والأمن والدفاع في صلب المعاهدة المرتقبة
واعتبر الفصحي أن الهدف الرئيسي من هذه الزيارة يتمثل في وضع اللمسات الأخيرة على معاهدة الصداقة المرتقبة. إلى جانب مناقشة الملفات الاستراتيجية التي ستشكل دعامة العلاقات الثنائية وصلب هذه المعاهدة.
ولفت الباحث في العلاقات الدولية، إلى أن ملفات الطاقة ستكون من أبرز محاور التعاون، في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية بمضيق هرمز. مبرزا أن المغرب راكم تجربة مهمة في مجال الطاقات المتجددة، في وقت يجري فيه الحديث عن مشروع الربط الكهربائي في الاتجاهين بين الناظور ومرسيليا. إلى جانب الاستفادة من الخبرة الفرنسية في إنتاج الكهرباء بالاعتماد على الطاقة النووية.
وأضاف الفصحي أن التحدي الأمني والعسكري يفرض نفسه بدوره على أجندة المباحثات، في ظل تنامي الجريمة العابرة للحدود والتهديدات الإرهابية والهجرة غير النظامية. مشيرا إلى أن المغرب أكد في أكثر من مناسبة لشركائه في ضفتي المتوسط ضرورة اعتماد مقاربة شاملة لمعالجة ملف الهجرة. خاصة بعد تحوله خلال السنوات الأخيرة من بلد عبور إلى بلد استقرار للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء.
وتابع المتحدث قائلا إن الجانب العسكري قد يشهد الإعلان عن حزمة من القرارات المتعلقة بصفقات التسلح. إلى جانب توطين بعض الصناعات العسكرية الحديثة، وفي مقدمتها صناعة الطائرات المسيرة، فضلا عن تعزيز برامج التكوين والتدريب المشترك بين البلدين.
واختتم الدكتور مصطفى الفصحي تصريحه بالتأكيد على أن هذه الزيارة تحمل أهمية استراتيجية للطرفين. موضحا أنها تمثل بالنسبة لفرنسا فرصة للخروج من العزلة الإقليمية التي أصبحت تعيشها في عدد من البلدان الإفريقية. فيما يكرس المغرب مكانته كشريك إقليمي موثوق بفضل السياسة التي انتهجها. والقائمة على الندية وتنويع الشركاء الدوليين، وتعزيز التعاون الاستراتيجي على ضفتي المتوسط والأطلسي. في إطار المبادرة الأطلسية التي أعلن عنها الملك محمد السادس سنة 2023.


